المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا
مفاوضات أبو ظبي حول أوكرانيا ـ الاستراتيجية الدبلوماسية والوساطة
تمثل محادثات أبوظبي بين روسيا وأوكرانيا، في فبراير من العام 2026، نقطة تحول جوهرية في الدبلوماسية الدولية ضمن نظام عالمي يتسم بالتعددية القطبية. لقد انتقلت هذه اللقاءات من كونها مجرد قنوات لمعالجة القضايا الإنسانية الطارئة إلى منصة مركزية لصياغة أطر وقف إطلاق النار وإعادة تأسيس الحوار الأمني بين القوى العظمى. إن صعود دولة الإمارات العربية المتحدة كطرف وسيط لم يكن نتاج مصادفة ظرفية، بل كان تجسيداً لسياسة “دبلوماسية المكانة” والحياد النشط التي مكنتها من الحفاظ على علاقات متوازنة مع كل من موسكو وكييف وواشنطن، في وقت عجزت فيه المؤسسات الدولية التقليدية عن توفير مساحة آمنة للتفاوض. برزت أبوظبي ليس فقط كمضيف، بل كمخطط لعمليات معقدة من بناء الثقة، بدأت بتبادل الأسرى وانتهت بإعادة تأسيس الحوار العسكري الرفيع المستوى بين واشنطن وموسكو.
الجذور التاريخية وتطور مسار أبوظبي الدبلوماسي
بدأت ملامح الدور الإماراتي في حرب أوكرانيا تتبلور بشكل واضح منذ أواخر عام 2022، عندما كشفت التقارير عن لقاءات جرت في العاصمة أبوظبي للوساطة بين طرفي الصراع. في 17 نوفمبر 2022، اجتمع ممثلون من روسيا وأوكرانيا لبحث إمكانية ربط تبادل واسع النطاق لأسرى الحرب. تطورت هذه الوساطة عبر سنوات من العمل، حيث نجحت دولة الإمارات في تسهيل 18 جولة تبادل أسرى حتى فبراير 2026، مما أدى إلى تحرير ما يقرب من 5000 أسير من كلا الجانبين. هذا المسار التراكمي بنى رصيداً من الثقة لدى الكرملين وكييف، مما مهد الطريق لتحويل أبوظبي إلى مقر للمفاوضات الثلاثية التي ضمت الولايات المتحدة كطرف ميسر ومشارك في يناير وفبراير 2026. إن هذا التطور يمثل انتقالاً من “الوساطة الإنسانية” إلى “الوساطة السياسية الاستراتيجية”، حيث أصبحت أبوظبي المكان الذي يلتقي فيه رؤساء الاستخبارات العسكرية وكبار الدبلوماسيين لرسم ملامح المرحلة القادمة من الصراع. الأمن الدولي ـ حرب أوكرانيا، ما دور الإمارات العربية المتحدة في مفاوضات السلام؟
وصف كيريلو بودانوف، رئيس مكتب رئيس أوكرانيا وعضو وفد كييف، المفاوضات بأنها بناءة. وقال بودانوف: “أنا ممتن للولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة على وساطتهما وتنظيمهما القويين”. كما شكرت وزارة الخارجية الإماراتية روسيا وأوكرانيا على تعاونهما مع جهود الوساطة التي تبذلها الإمارات. أكدت الوزارة إن عملية تبادل السجناء الأخيرة تزامنت مع المحادثات الثلاثية التي استضافتها أبوظبي، والتي قالت إنها تعكس التزام دولة الإمارات العربية المتحدة بالتعاون الاستراتيجي وتسلط الضوء على الثقة الدولية في دورها في تمكين الحوار.
المحادثات الثلاثية لعام 2026، الفاعلون والأدوار الاستراتيجية
شهد مطلع عام 2026 تكثيفاً غير مسبوق للجهود الدبلوماسية في أبوظبي، مدفوعاً بتغيرات جوهرية في الإدارة الأمريكية. تميزت هذه الجولات بصبغة عسكرية واستخباراتية واضحة، حيث لم تعد الوفود تقتصر على الدبلوماسيين من الدرجة الثانية، بل ضمت قيادات عسكرية عليا ورؤساء أجهزة استخبارات، مما يشير إلى الانتقال إلى التفاوض على التفاصيل الفنية للأمن والحدود. تعكس تركيبة الوفود المشاركة في مفاوضات فبراير 2026 الجدية التي أولتها الأطراف لهذا المسار. لقد كانت المشاركة الأمريكية بقيادة ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس ترامب، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب، إشارة واضحة إلى رغبة واشنطن في تجاوز البيروقراطية التقليدية والوصول إلى صفقات مباشرة.
إن وجود الأدميرال كوستيوكوف، رئيس الإدارة الرئيسية في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، في أبوظبي يمثل تطوراً نوعياً؛ إذ نادراً ما يشارك قادة هذا الجهاز الحساس في مفاوضات علنية، مما يوحي بأن المحادثات تناولت قضايا عسكرية فنية شديدة التعقيد، مثل خطوط التماس، ومناطق عزل السلاح، وتبادل المعلومات وبالمقابل، فإن حضور رستم عميروف وبودانوف من الجانب الأوكراني يؤكد أن كييف أرسلت “أبرز قياداتها” الذين يمتلكون تفويضاً كاملاً من الرئيس زيلينسكي للتفاوض على قضايا مصيرية.
أكد المستشار الألماني فريدريش ميرز خلال زيارته للإمارات العربية المتحدة في السادس من فبراير 2026 وبعد انتهاء مفاوضات أبو ظبي إن الاتحاد الأوروبي مستعد دائماً لإجراء محادثات مع روسيا في محاولة لإنهاء حرب أوكرانيا، لكنه لن “يفتح أي قنوات اتصال موازية”. يقول ميرز: “نحن، بالطبع، على استعداد دائم لإجراء محادثات مع روسيا. تجري محادثات منسقة هنا في أبوظبي، وإذا كان بإمكاننا المساهمة في جعل هذه المحادثات أفضل وأكثر نجاحاً، فسوف نفعل ذلك. لكننا لن نفتح أي قنوات اتصال موازية”.الإمارات العربية المتحدة ترسخ مكانتها كنموذج رائد في العمل الإنساني الدولي
ملف تبادل الأسرى
يعد ملف تبادل الأسرى المحرك الأكثر فاعلية واستمرارية في محادثات أبوظبي. ففي بيئة تتسم بانعدام الثقة المطلق، عملت دولة الإمارات على تحويل التبادل الإنساني إلى “اختبار للنيات” يمهد الطريق لملفات أكثر صعوبة. منذ بداية عام 2024 وحتى فبراير 2026، أصبحت عمليات التبادل تتم بانتظام متزايد، مما خلق آلية عمل مؤسسية تتجاوز التقلبات العسكرية على الجبهات. تظهر البيانات الإحصائيات لعمليات التبادل التي تمت بوساطة إماراتية نجاحاً باهراً، حيث وصل إجمالي المفرج عنهم تقريباً إلى 4,955 شخصاً عبر 18 جولة وساطة ناجحة. هذا الرقم يمثل إنجازاً دبلوماسياً وإنسانياً غير مسبوق في تاريخ النزاعات الحديثة، ويؤكد على قوة “الدبلوماسية الهادئة” التي تنتهجها أبوظبي.
تميزت عملية التبادل الأخيرة في 5 فبراير 2026، والتي شملت 157 أسيراً من كل جانب، بخصوصية قانونية وسياسية؛ حيث شملت 19 أوكرانياً كانوا محكومين بالسجن المؤبد في روسيا، بالإضافة إلى سبعة مدنيين. ومن الجانب الروسي، تمت استعادة ثلاثة مدنيين من منطقة كورسك التي شهدت توغلاً أوكرانياً، مما يشير إلى أن المفاوضات في أبوظبي بدأت تعالج تداعيات التطورات الميدانية الأحدث. إن نجاح هذه العملية في ذروة المباحثات الثلاثية أعطى الوسطاء الأمريكيين والإماراتيين دليلاً ملموساً على أن “الانخراط الدبلوماسي المستمر يحقق نتائج ملموسة”.
الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، ويتكوف وكوشنر ونهج الصفقات
دخلت محادثات أبوظبي مرحلة جديدة كلياً بظهور فريق العمل التابع للرئيس ترامب في أوائل عام 2026. إن اختيار ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر لقيادة هذا المسار يعكس تحولاً من الدبلوماسية التقليدية القائمة على المؤسسات إلى دبلوماسية “الشخصيات المؤثرة” والقائمة على الصفقات. وصف البيت الأبيض هذه المحادثات بأنها “تاريخية”، مشيراً إلى أن الفريق الذي حقق “المستحيل” في الشرق الأوسط يسعى لتكرار النموذج في الأزمة الأوكرانية.
اعتمد ويتكوف وكوشنر على نهج يتسم بالسرعة والضغط المباشر. قبل انطلاق جولة فبراير في أبوظبي، عقد ويتكوف سبع اجتماعات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، حيث ناقش معه تفاصيل دقيقة تتعلق بالمطالب الإقليمية والضمانات الأمنية. هذا التواصل المباشر مع الكرملين منح المفاوضات في أبوظبي ثقلاً لم تكن تمتلكه الجولات السابقة التي كانت تقتصر على وفود فنية. استخدمت واشنطن التهديد بقطع المساعدات العسكرية كأداة ضغط على كييف للقبول بالجلوس على طاولة المفاوضات، بينما لوحت لروسيا بإمكانية إعادة دمجها في النظام المالي العالمي في حال إبداء مرونة في ملف الأراضي. وعلى الرغم من إشادة ستيف ويتكوف بالنتائج ووصفها بأنها “مفصلة وبناءة”، إلا أنه أقر بأن “عملاً كبيراً لا يزال ينتظرنا”، في إشارة واضحة إلى أن الفجوة في القضايا الجوهرية “مثل وضع شبه جزيرة القرم وإقليم دونباس” لا تزال واسعة جداً ولا يمكن حلها بصفقة سريعة. أمن دولي ـ مقاربة دولة الإمارات لتعزيز الأمن والاستقرار في مناطق الصراع الإقليمي والدولي
إعادة تأسيس التواصل العسكري المباشر، الإنجاز الاستراتيجي
من بين النتائج الأكثر أهمية وحساسية التي تمخضت عنها محادثات أبوظبي في فبراير 2026، كان الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا على إعادة تأسيس قنوات اتصال عسكرية رفيعة المستوى. تم تعليق هذا الحوار المباشر منذ أواخر عام 2021، قبيل حرب أوكرانيا في فبراير 2022، مما زاد من مخاطر الحوادث العرضية والصدامات المباشرة بين القوى النووية. أعلنت القيادة الأوروبية الأمريكية (EUCOM) أن هذا الاتفاق سيوفر “تواصلًا عسكريًا دائمًا ومستمرًا” يهدف إلى زيادة الشفافية وخفض التصعيد. هذا الإنجاز يعكس إدراكاً واقعياً في واشنطن وموسكو بأن الحرب قد تستمر لسنوات، وأن وجود صمام أمان عسكري هو ضرورة عالمية. يرى المحللون أن هذا التواصل العسكري قد يكون “المسار الخلفي” الحقيقي للتفاوض على وقف إطلاق النار الفني، حيث يمتلك الجنرالات قدرة أكبر على تحديد الخطوط الواقعية للتماس بعيداً عن الخطابات السياسية المتشنجة. إن اختيار أبوظبي لتكون المقر الذي أعلن منه هذا الاتفاق يرسخ مكانتها كـ “منطقة محايدة” وآمنة ليس فقط للدبلوماسيين، بل للقادة العسكريين من أعلى المستويات، وهو ما يعزز الثقة الدولية في قدرة الإمارات على إدارة الملفات الأمنية الأكثر تعقيداً في العالم.
معضلة الأراضي والسيادة
رغم النجاحات في ملفات تبادل الأسرى والتواصل العسكري، اصطدمت محادثات أبوظبي بجدار صلب عندما انتقلت إلى مناقشة القضايا الإقليمية والحدود. تظل مطالب الكرملين “القصوى” والموقف الأوكراني الرافض للتنازل عن الأرض هما العقبة الكأداء أمام أي اتفاق شامل لوقف إطلاق النار. تصر موسكو على أن أي تسوية يجب أن تنطلق من “الواقع الميداني الجديد”، وهو ما يعني اعتراف أوكرانيا بضم الأقاليم الأربعة “دونيتسك، لوهانسك، زاباروجيا، خيرسون” بالإضافة إلى القرم. وفي المقابل، ترفض كييف أي انسحاب أحادي الجانب من المدن المحصنة في دونباس التي لا تزال تحت سيطرتها، وتطالب بتجميد النزاع وفق الخطوط الحالية مع ضمانات أمنية دولية صلبة.
أكد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف خلال المحادثات أن روسيا ستواصل عملياتها العسكرية “إلى حين اتخاذ كييف القرارات اللازمة”، وهو تصريح يعكس استخدام الضغط العسكري الميداني لانتزاع تنازلات على طاولة المفاوضات في أبوظبي. وبالمقابل، حذر الرئيس زيلينسكي من أن أي تقدم نحو السلام يجب ألا يؤدي إلى سيناريو “يستغل فيه الروس كل شيء لمصلحتهم ويواصلون ضرباتهم”، مؤكداً أن الشعب الأوكراني لن يقبل بسلام هش يمهد لعدوان مستقبلي. الإمارات العربية المتحدة، الاستجابة الإنسانية في أزمات المنطقة العربية
ناقش المفاوضون الأمريكيون والأوكرانيون هدفاً طموحاً يتمثل في مارس 2026 لتوصل روسيا وأوكرانيا إلى اتفاق سلام، على الرغم من أن هذا الجدول الزمني من المرجح أن يتأخر نظراً لعدم وجود اتفاق بشأن القضية الرئيسية المتعلقة بالأراضي، وبموجب الإطار الذي يناقشه المفاوضون الأمريكيون والأوكرانيون، سيتم طرح أي اتفاق للاستفتاء من قبل الناخبين الأوكرانيين، الذين سيصوتون في الوقت نفسه في الانتخابات الوطنية. أعرب فريق التفاوض الأمريكي بقيادة المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس دونالد ترامب جاريد كوشنر لنظرائه الأوكرانيين في محادثات أبو ظبي وميامي أنه من الأفضل إجراء هذا التصويت قريباً. ناقش مسؤولون أمريكيون وأوكرانيون إمكانية إجراء الانتخابات والاستفتاء الوطنيين في مايو 2026. أظهرت استطلاعات الرأي أن أغلبية ملحوظة من الأوكرانيين يعارضون التنازلات الإقليمية مقابل ضمانات أمنية غربية تحمي البلاد من هجوم روسي في المستقبل، إلا أن الأرقام قد تقلصت قليلاً خلال العام 2025.
النتائج
تتبنى دولة الإمارات العربية المتحدة نهجاً دبلوماسياً راسخاً مفاده أن النزاعات لا يمكن حلها دون حوار، وأن التقدم يتحقق من خلال المشاركة المستمرة. وستواصل دولة الإمارات دعم جميع الجهود الرامية إلى تعزيز السلام في جميع الأزمات.
مع انتهاء جولات فبراير 2026، يبدو أن محادثات أبوظبي قد وضعت الأساس لمرحلة جديدة من الصراع، تتسم بوجود قنوات اتصال دائمة حتى في ظل استمرار القتال العنيف. إن الإعلان عن استمرار المحادثات خلال العام 2026، مع احتمال انتقال بعض الجلسات إلى الولايات المتحدة، يشير إلى أن العملية الدبلوماسية قد اكتسبت طابعاً مؤسسياً لا يمكن التراجع عنه بسهولة. ستظل قضية الضمانات الأمنية التي تطلبها أوكرانيا هي المحك الرئيسي. فبدون التزام أمريكي أوروبي صلب، لن تجازف كييف بوقف إطلاق نار قد تستغله روسيا لإعادة تجميع قواتها.
قد تصبح “خارطة طريق رفع العقوبات” هي الورقة الرابحة التي يمتلكها الجانب الأمريكي في أبوظبي لإغراء موسكو بتقديم تنازلات ميدانية، وهو ملف يتطلب تنسيقاً وثيقاً مع الحلفاء الأوروبيين. بدأت النقاشات في أبوظبي تتطرق إلى ملفات إعادة الإعمار وكيفية استخدام الأصول المجمدة، وهو ملف قد يفتح الباب أمام دور أكبر لصناديق الاستثمار السيادية مثل صندوق الاستثمار المباشر الروسي في صياغة السلام.
تظل محادثات أبوظبي بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة نموذجاً متطوراً للدبلوماسية حيث تلتقي القوى العظمى في عواصم القوى الصاعدة لصياغة أمن العالم. ونجح “مسار أبوظبي” في إبقاء الأبواب مفتوحة، ومنع الانهيار التام لقواعد النظام الدولي، ووفر آلية لإنقاذ آلاف الأسرى عبر عمليات التبادل المستمرة، مما يجعله أحد أكثر المبادرات الدبلوماسية تأثيراً في مستقبل حرب أوكرانيا.
المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا



