اختر صفحة
واقع الإسلاموفوبيا في إسبانيا عام 2021
واقع الإسلاموفوبيا في إسبانيا عام 2021

يناير 15, 2022 | دراسات

تطور ظاهرة الإسلاموفوبيا في إسبانيا خلال عام 2021

مرصد الأزهر ـ يموج العالم في وقتنا المعاصر بالعديد من التحديات والأزمات التي يرى البعض أنها تهدد عملية الاستقرار والسلم المجتمعي، ولا شك أن الممارسات الإنسانية هي عامل رئيس في الحد من تلك الأزمات أو تفاقمها. وتُعد ظاهرة التطرف -سواء كانت على المستوى الفكري أو السلوكي- من أبرز الإشكاليات التي تتطلب تضافر الجهود الفردية والمؤسسية للقضاء عليها والحد من خطورتها. ويهتم مرصد الأزهر لمكافحة التطرف برصد الأنشطة المتطرفة والظواهر المجتمعية السلبية وتحليلها؛ لما تمثله من تهديد على أمن المجتمعات واستقرارها، ومن أبرز تلك الظواهر السلبية ظاهرة “الإسلاموفوبيا” التي باتت تبعاتها تؤرق المسلمين وغيرهم، لا سيما القاطنين في القارة الأوروبية. ويربط بعض الباحثين بين أحداث الحادي عشر من سبتمبر لعام ٢٠٠١م وبين تصاعد ظاهرة الإسلاموفوبيا في العالم،  حيث تعرَّض بعض ممن لديهم مظهر إسلامي إلى مضايقات في بيئات العمل والسكن والمدرسة، وحتى في الأماكن العامة.

وتُعد إسبانيا من الدول الأوروبية التي انتشرت فيها تلك الظاهرة وتفاقمت بالتوازي مع صعود اليمين المتطرف، حيث انتقلت هذه النبرة العدائية للإسلام والمسلمين من المستوى الفردي إلى المستوى الحزبي والمؤسسي، ومن هذا المنطلق نُسلِّط الضوء في هذا التقرير على “الإسلاموفوبيا” في إسبانيا من خلال الأخبار والتقارير الواردة في الصحف الإسبانية ومراصد الإسلاموفوبيا في إسبانيا، وتحليل ما ورد عنها فيما يتعلق بكيفية التعامل مع تلك الظاهرة والسعي إلى الحد من انتشارها.  تَعتبر بعض الشعوب الأوروبية أن المسلمين لديهم مشكلة في التعايش والاندماج في المجتمعات الغربية التي يقطنون بها، نظرًا لاختلاف عاداتهم وتقاليدهم وقيمهم بعض الشيء عما هو سائد في الغرب، وهو الأمر الذي يتخذه البعض ذريعة لتبرير الهجوم على المسلمين ومعاداتهم.

لكن الثابت أن مبادئ الإسلام أقرت مفهوم المواطنة وحثَّت على مفهوم الانتماء للوطن ورسَّخت للتعايش الاجتماعي بين الطبقات المختلفة، وهذا ما فطن إليه العديد من الأصوات المنصفة أمثال “خيسوس ألبرتو ماتاس”، أستاذ علم الاجتماع في جامعة “بلد الوليد” الإسبانية، الذي أوضح لصحيفة “إل كونفيدنثيال ديخيتال” الإسبانية في 6 أغسطس ٢٠٢١م، أن القرآن الكريم يحث المسلمين على حب أوطانهم، ولا يوجد ثمة تعارض بين حب الإنسان لله وحبه لوطنه، لذلك من المستحيل أن يُصبح حب المسلم لله عائقًا أو حاجزًا يمنعه من إخلاصه لوطنه. وأكد أنَّ المواطنة الحقيقية هي مطلب لا غنى عنه في الإسلام، وأنَّ اندماج المسلمين في الغرب أمر ممكن للغاية إذا ما تعلموا جميع الجوانب الإيجابية للمجتمعات التي يقطنون بها.

نماذج لبعض حالات الاعتداء والانتهاكات:

تُعد ظاهرة الإسلاموفوبيا أحد الأشكال الرئيسية للكراهية والتمييز في إسبانيا، كما أنها ظاهرة غير معروفة بين قطاع كبير من السكان. ومن بين الأشكال التي تظهر فيها ممارسة الإسلاموفوبيا بعض الإجراءات والقرارات الموجهة ضد المسلمين دون غيرهم كنوع من التمييز، مثل اتخاذ إدارة مدرسة “الليسيه” في بلدية “وادي الحجارة” (وسط إسبانيا)، قرارًا بمنع طالبة مسلمة، تبلغ من العمر 11 عامًا من ارتداء الحجاب أثناء وجودها في المدرسة، وأنه في حالة تمسكها بارتداء الحجاب فلن تستطيع استكمال دراستها. وأوضحت إدارة المدرسة أن ارتداء الحجاب خلال ساعات الدراسة يُعد أمرًا مخالفًا ‏لقواعد التعايش المعمول بها في المدرسة، وهذا وفق ما ذكرته صحيفة “بريوديكو سي إل إم” الإسبانية، في 1 نوفمبر 2021م.

وفي بلدية “وادي إيجويس” الإسبانية ترك مجموعة من المتعصبين -غير المؤمنين بثقافة التعددية والتنوع واحترام الآخر- رسومات وملصقات مسيئة على أسوار حضانة أطفال، وفقًا لما ذكرته صحيفة “دياريو دي نافارا” في 3 نوفمبر٢٠٢١م.وقد احتوت الرسومات على رسائل عنصرية معادية للإسلام والأجانب مثل “أوروبا بيضاء”، و”لا للإسلام” و”اخرجوا أيها ‏المسلمون”، وغيرها من العبارات التي تحمل كراهية وبغضًا من هؤلاء ‏المتعصبين تجاه المسلمين والأجانب.وعلى مستوى المساجد والمؤسسات في إسبانيا، فقد تعرَّض عدد من المنشآت التابعة للجاليات الإسلامية لأعمال عنصرية خلال عام ٢٠٢١م، والتي كان من بينها قيام مجهولين بإضرام النيران في مسجد “الصفوة” الواقع في بلدية “سان خابيير” بمدينة “مُرسية” الإسبانية، تاركين عبارة مكتوبة على إحدى نوافذ المسجد تقول: “الموت للإسلام”، دون التعرف على هوية المنفذين، وفقًا لجريدة “لا بيرداد” الإسبانية في 21 فبراير 2021م.

 

وردا على ذلك، أدان “خوسيه ميجيل لوينجو”، رئيس بلدية سان خابيير هذه الاعتداءات، وفقا لموقع راديو “أوندا ريخيونال دي مورثيا” الإٍسباني في 21 فبراير 2021م. كما تقدم “الاتحاد الإسباني للهيئات الدينية الإسلامية” (FEERI) بشكوى للهيئة القضائية متمثلًا في مكتب المدعي العام الإسباني، وطالب بالتحقيق في وقائع الهجوم على المسجد سالف الذكر، وفقًا لما نشرته وكالة أنباء “أوروبا بريس” الإسبانية في 24 فبراير ٢٠٢١م. وأكد الاتحاد أن تلك الاعتداءات قد خلَّفت عواقب مادية ونفسية بين أبناء المسلمين في تلك المنطقة، لأنهم أحسوا بأن حياتهم أصبحت في خطر شديد بعد عملية حرق باب المسجد وانتشار رسائل العنف المُفزعة والمعادية للمسلمين.وانضمت جبهة “التعايش بدون عنصرية” في إسبانيا إلى المنددين بالاعتداءات التي وقعت على مسجد “الصفوة”، وفقا لجريدة “لا بيرداد” الإسبانية في 24 فبراير 2021. وقد أكدت المنظمات التي تُشكل هذه الجبهة في بيان لها على إدانة كراهية الإسلام، وطالبت السلطات الإسبانية بضرورة مكافحة الإسلاموفوبيا التي تزداد قوة كل يوم في منطقة “مرسية” والتأكيد على رفض هذه الأعمال العدائية التي تُهدد استقرار المجتمع.

وفي حدث جَلِيٍّ لتغذية اليمين المتطرف لخطاب الكراهية والعداء والتحريض ضد المسلمين والمهاجرين، نشرت صحيفة “إل كونفيدنثيال ديخيتال” الإسبانية، في 9 نوفمبر 2021م، خبرًا حول وقوع اعتداء على جدران القنصلية المغربية في جزر الكناري بإسبانيا، حيث لطَّخ المعتدون يوم الأحد 7 نوفمبر 2021م اللافتة المُعلقة بمدخل السفارة بطلاء أحمر، كما قاموا بكتابة كلمة ((VOX في إشارة للحزب اليميني المتطرف في إسبانيا، والذي كان ينظم مؤتمرًا في اليوم السابق للحادث في جزيرة “لابالما” بجزر الكناري، وخلال المؤتمر هاجم حزب “فوكس” الحكومة الإسبانية لسماحها بهجرة المسلمين إلى إسبانيا.

 المرأة المسلمة وتفاقم الإسلاموفوبيا:

أصبحت قضية ارتداء المسلمات للحجاب في الأماكن العامة وفي العمل من أهم القضايا التي تثار في إسبانيا خلال الفترة الأخيرة، ومن خلال متابعة مرصد الأزهر لمكافحة التطرف لهذه القضية، لوحظ تزايُد الحالات التي تعرَّضت فيها بعض المسلمات في العديد من البلدان الغربية، خصوصًا إسبانيا، لأضرارٍ جسدية ونفسية، جَرَّاءَ بعض الاعتداءات التي تعرَّضنَ لها، ومن المؤسف أن البعض تأثر بالخطاب الإعلامي الخبيث الذي يسعى للربط بين الإسلام والإرهاب؛ الأمر الذي أدى إلى تزايُد معاناة بعض المسلمين ومواجهتهم لصعوباتٍ في التعاملات اليومية في الأوساط الأوروبية بوجهٍ عام، خاصَّةً بعد كلِّ عمليةٍ إرهابية.وعلى خلفية هذا الأمر، ثارت حالة من الجدل الكبير بعد قرار المحكمة الأوروبية بالموافقة على حظر استخدام الحجاب الإسلامي في أماكن العمل، وفق ما ذكر موقع تلفزيون “تيلي موندو” الإسباني في 19 يوليه 2021م. وفي هذا السياق، أدانت بعض الدول الإسلامية قرار محكمة الاتحاد الأوروبي بالسماح لأماكن العمل بمنع موظفيها من ارتداء الحجاب، واصفة إياه بأنه تقنين لظاهرة الإسلاموفوبيا.

جدير بالذكر أن هذا القرار يثير القلق لدى النساء المسلمات المحجبات خشية أن يؤدي إلى تعقيد حياتهن، والتأثير على فرص عملهن، خاصة في ظل تصاعد اليمين المتطرف، وخطاباته المعادية للأجانب والمسلمين، وازدياد مشاعر الخوف المجتمعي منهم. وفي الواقع، فإن القضية متداخلة بين الحق الشرعي في ارتداء الحجاب، الذي يكفله القانون في أغلب الأحيان، وبين الجانب الاجتماعي الذي يتَّسم بالرفض في عديد من القطاعات، وقد شهدت الأعوام الأخيرة الماضية تزايُدًا ملحوظًا في عدد حالات “الإسلاموفوبيا” ضد المُحَجَّبات؛ عن طريق المضايقات والاعتداءات اللفظية.

وفي هذا السياق ناقش تقرير صحفي نشرته جريدة “بينتي مينوتوس” الإسبانية في 15 مارس 2021م، تداعيات انتشار ارتداء المسلمات للبرقع أو الحجاب الكامل في أوروبا وطبيعة وجوده في إسبانيا، وذلك على خلفية القرار الأخير لدولة “سويسرا” والذي منع ارتدائه في الأماكن العامة. فقد انضمت سويسرا في مطلع مارس 2021م إلى قائمة الدول الأوروبية التي حظرت ارتداء الحجاب الإسلامي الكامل. وشهدت هذه القضية جدلًا واسعًا في إسبانيا أيضًا في العقد الماضي، عندما كانت هناك اقتراحات باستخدام حق النقض ضد هذا النوع من الثياب، لكنه لم يُلتفت إليها، نظرًا لأن استخدام الحجاب محمي بموجب الدستور الإسباني من منطلق الحرية الدينية.

وفي سياق التقرير سالف الذكر، ذكرت “ماريا خيسوس جوتيريث”، أستاذة القانون في جامعة چيرونا، أن المحكمة الإسبانية العليا كانت واضحة جدًّا في قولها: إن استخدام البرقع “جزء من حرية المرأة الدينية”. وأكدت أنه يجب أن يكون تنظيمه بموجب القانون، وأن يكون المنع وفقًا لوجود خطر فِعليٍّ وواضح للأمن العام. ويرى مرصد الأزهر أن الوعي الجمعي في إسبانيا يرى أن استخدام البرقع هو جزء من حرية المرأة، وذلك على الرغم من وجود نقاش كبير حول ما إذا كان هذا المظهر بالنسبة للمرأة دلالة على

وقد شاع في أغلب دول العالم، أنه حينما تطلب أي سلطة من امرأة محجبة التحقق من هويتها وكشف وجهها، فإن هذا الأمر يتم تنفيذه عادة من قبل سيدة موظفة ومسؤولة عن عملية التحقق بالنسبة للسيدات. كما أن ارتداءه لا يُمثل إشكالية أو تهديدًا على الأمن المجتمعي للدول. ويرى خبراء أن الحوار والانفتاح الثقافي هو الحل في معالجة الظواهر الاجتماعية التي ربما تشكل تهديدًا، وأن وضع قوانين تمنع ارتداءه في إسبانيا أو أوروبا ككل ليس حلًّا، مؤكدين أن الحظر في سويسرا لن يساعد في اندماج المواطنين المسلمين هناك، بل سيؤدي بدوره إلى تعميق الهوة بين أفراد المجتمع وأصحاب العقائد المختلفة. ربما سيدفع هذا الأمر بعض الفتيات المسلمات للبحث عن بديل يحتضنهن ويلبي رغباتهن، ومن الممكن أن تستهويهن أو تستقطبهن دعاوى بعض التنظيمات المتطرفة، كما سبق وحدث بالفعل في بعض البلدان الغربية.

وفي التقرير ذاته، سلط “ميجيل أنخيل إليزالدي”، مدير برنامج “ماجستير حقوق الإنسان والديمقراطية والعولمة” في جامعة قطلونية المفتوحة (UOC)، الضوء أيضًا على أن الاستفتاء السويسري قد تمت الموافقة عليه بفارق ضئيل للغاية، مما يدل على وجود انقسام كبير في المجتمع بشأن هذه القضية، مشيرًا إلى وجود آليات أخرى لضمان الأمن بعيدًا عن الحظر والتقييد معتبرًا أن وضع قانون من هذا النوع ليس ضروريًّا وغير مناسب في إسبانيا. وأضاف “أنخيل” أن قوانين كهذه من شأنها إحداث شرخ في المجتمع يؤدي إلى الفصل بين المجموعات التي تشعر بأنها متأثرة به، مؤكدًا على أن هذا الإجراء لا يُعزز بيئة التعايش، ومُشجعًا على القيام بالمزيد من العمل الذي يُعزز قيم التفاهم المشترك واحترام التنوع كسبيل لحل المشكلات لا تقييدها بالحظر والمنع المطلق.

من جانبها أكدت منظمة الأمم المتحدة، وفقا لوكالة أنباء “أوروبا بريس” الإسبانية في 9 مارس 2021م، أن حظر ارتداء الحجاب للنساء مخالف لحقوق الإنسان، حيث قالت المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان “رافيا شامداساني” في تصريحات لوسائل الإعلام: “إن القانون الذي أُقر في الاستفتاء في سويسرا والذي يحظر ارتداء الحجاب للنساء يتعارض مع حقوق الإنسان”. وذكرت “شامداساني” أن انضمام سويسرا إلى القائمة الصغيرة للبلدان التي يحمي القانون فيها التمييز ضد المسلمات يُعد أمرًا مؤسفًا للغاية. جدير بالذكر أن 51.2 % من السويسريين صوتوا لصالح قانون يحظر ارتداء النساء البرقع أو النقاب، وروَّجت لذلك مجموعة يمينية، وهناك تدابير مماثلة في النمسا وهولندا وفرنسا.

إجراءات وتصريحات لمواجهة الإسلاموفوبيا:

وبالمثل، كان للمجتمع الإسباني على مختلف مستوياته ومؤسساته مجموعة من الإجراءات والتدابير التي من شأنها الحد من ظاهرة الإسلاموفوبيا ومنع انتشارها، حيث استنكر “المجلس المشترك للحوار بين الأديان في قطلونية” وجود حالات تمييز على أساس الدين، وفقا لمجلة ‏”ريبيستا إكليسيا” الإسبانية في 22 مايو 2021م.وأوضح أسقف برشلونة في بيان له أن فريق العمل المستقر للأديان قد أعلن أن المجتمع القطلوني مجتمع متعدد، وأن حرية التعبير تتيح الحديث حول المعتقد الديني مع مراعاة احترام مشاعر الآخرين، والحفاظ على التعايش، كذلك حث على عدم التحريض على الآخر أو الترهيب على أساس المعتقد. جدير بالذكر أن فريق العمل المستقر للأديان (GTER) يتكون من مجموعة دُشنت في عام 2004م لالتقاء الممثلين الرسميين للعقائد ذات الأغلبية في مدينة برشلونة (إسبانيا)، والذين يحظون بتأييد من أتباع عقائدهم؛ سواء كانوا يهودا، أو مسلمين، أو كاثوليك، إلخ. وقد أصبحت هذه المجموعة رائدا في العمل من أجل خدمة المجتمع بشتى طوائفه.

وفي نهاية البيان أكد ممثلو الديانات في قطلونية أنهم لن يدخروا جهدا في استنكار أي إرهاب حول الأديان، كما سيحاولون إيجاد حلول للدفاع عن هذا الجانب الأساسي لكرامة الإنسان.كما حذر مدير “أمانة اللجنة الفرعية للعلاقات بين الطوائف” التابعة للمؤتمر الأسقفي الإسباني “رافائيل باثكيث”، من أن ظاهرة الإسلاموفوبيا تعد اعتداءً على حياة الناس وكرامتهم، وفقا لما أوردته وكالة أنباء “أوروبا بريس” الإسبانية في 16 مارس ٢٠٢١م، وأكد أن الخوف من الإسلام، بقدر ما يفترض فيه من رفض للآخر، إلا أنه أيضًا يصبح مشكلة للجميع، وأنه لا يمكن بناء مجتمع أخوي عندما يكون هناك ازدراء وكراهية على أساس العرق أو الدين، مشددًا على أن هذه الظاهرة إنما هي هجوم على الحياة وعدم احترام لكرامة الناس. وألمح إلى أن التنوع يثري الهوية ولا يلغيها، وأنه لابد من تعلم كيفية التعايش مع مفهوم التنوع، الذي لا يشكل تهديدًا أبدًا.

وعلى المستوى المؤسسي، أعربت منظمة “SOS RACISMO بقطلونية” عن إدانتها للإسلاموفوبيا المؤسساتية، وفقا لجريدة ‏”دياريو ديثي سايس” الإسبانية في 6 يوليه 2021م‏، وأشارت المنظمة في تقرير لها عن تأثير السياسات الأمنية التي تهدف إلى مكافحة التطرف والإرهاب في إسبانيا إلى أن الوضع الحالي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية مقلق للغاية، ويمثل انتكاسة وتراجعًا واضحًا، وأن المسلمين أصبحوا كبش فداء، وتم تصنيفهم على أنهم أكبر خطر يهدد الأمن القومي، وذكر التقرير أنه منذ ظهور حزب “فوكس” اليميني المتطرف على الساحة السياسية قد اكتسبت رسائل الكراهية مكانة بارزة في الحملات السياسية كما حدث في الملصق المستخدم في حملة الانتخابات الإقليمية الأخيرة في مدريد، وتشير منظمة SOS RACISMO غير الحكومية إلى الحاجة إلى مراجعة ما يتم نشره عن الجالية المسلمة، محذرة من تأثير بعض القوانين والبروتوكولات الأمنية على السكان المسلمين الذين يعانون بالفعل من العنصرية وتمييز قائم على أساس الدين.

كما سلط موقع “مرصد الإسلاموفوبيا في إسبانيا”، في 13 نوفمبر ٢٠٢١م، الضوء على التصريحات التي أدلى بها “دانيال خيل بن أمية”، أستاذ الدراسات العربية والإسلامية بجامعة “كومبلوتنسي” في مدريد والمنسق العلمي لمركز الدراسات الإسلامية التابع لمؤسسة الثقافة الإسلامية والمتخصص في قضايا الإسلاموفوبيا، والتي أكد فيها على أن الإسلاموفوبيا تتخطى الأمور السياسية تمامًا، وعلى الرغم من أنها ترتبط -عادة- باليمين المتطرف إلا أنها تجاوزت ذلك إلى أحزاب أخرى غير محسوبة على اليمين.ومن الناحية القضائية قضى رئيس محكمة الجنايات رقم 4 في مدينة “سانتاندير” في إسبانيا حُكمًا بالسجن لمدة ستة أشهر وغرامة قدرها ‏‏1080 يورو ضد امرأة على خلفية ارتكابها “جريمة كراهية”؛ إذ أهانت مسلمة كانت تسير مرتدية “الحجاب الإسلامي” ‏في أحد الشوارع بالمدينة في 30 يونية ٢٠١٩م، وفقا لصحيفة “لا بانجوارديا” الإسبانية في 31 يوليه 2021م، حيث وجهت المرأة المدانة الإهانة إلى المرأة المسلمة المحجبة قائلة لها‎:‎‏”إما أن تخلعي ذلك ‏الحجاب أو ترحلي”.‏

كما ذكرت جريدة “بوبليكو” الإسبانية، في 8 نوفمبر 2021م، أن النيابة العامة الإسبانية رفعت شكوى ضد “ماريا إيزابيل بيرالتا”، إحدى النازيات الجدد، على خلفية اتهامها بالتحريض على جرائم كراهية وعنف ضد المسلمين بعد مظاهرات نظمتها جماعة “النازيين الجدد” في إسبانيا والمعروفة بـ “باستيون فرونتال” في 18 مايو 2021م أمام السفارة المغربية، وطبقًا لما ذكرته النيابة العامة، فإن الغرض من تلك المظاهرة كان التحريض على العنف وإثارة الكراهية ضد المسلمين والمهاجرين المغاربة في إسبانيا.ولا شك أن الفكر المتطرف الموجود لدى البعض ممن ‏يحاولون بث أفكار الكراهية هو أحد الأسباب الرئيسة في تفاقم ظاهرة الإسلاموفوبيا، وأن هؤلاء ومن يصدرون أفكار التطرف والإرهاب وجهان لعملة واحدة، فكلاهما يقود إلى العنف وتخريب المجتمعات. كما أن ‏الأحكام القضائية الرادعة التي تعمل على نبذ الكراهية ومحاربة الإسلاموفوبيا وكل أشكال التمييز لها بالغ الأثر في الحفاظ على وحدة ‏النسيج المجتمعي، وتوثيق عُرى التآلف بين أبناء المجتمع كافة، وأن الحوار المشترك بين أتباع ‏الديانات والثقافات المختلفة سيساعد بالتأكيد على إزالة الأحكام المُسبقة والصور النمطية، وسيساعد في الحد من ‏انتشار مخاطر ظاهرة الإسلاموفوبيا وسيسهم في احترام التعددية الفكرية والثقافية وترسيخ مفهوم المواطنة.

الدور المجتمعي التوعوي للحد من الإسلاموفوبيا:

كان للمؤسسات الرسمية وغير الرسمية في إسبانيا دور مهم في مكافحة انتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا والتعريف بمخاطرها وزيادة الوعي المجتمعي بأبعادها ومدى خطورتها على تقدم المجتمع واستقراره، وفي هذا الإطار انعقد العديد من المؤتمرات والفعاليات التي تخدم تلك الأهداف نذكر منها تنظيم مؤسسة الفنار والمرصد الإسباني للعنصرية وكراهية الأجانب في المركز الثقافي بمدينة “مرسية” الإسبانية معرضًا للصور بعنوان: “الآثار الإسلامية”، وفق ما ذكر موقع “مؤسسة الفنار” الإسباني في 20 يناير 2021م، وكان المعرض يهدف إلى خلق أداة للتوعية والإعلام حول الإسلام وماهيته.

كما أشارت جريدة “نابرا” الإسبانية في 19 مايو 2021م إلى تنظيم المديرية العامة للسلام والتعايش وحقوق الإنسان التابعة لحكومة نافارا، بالتعاون مع منظمة ” SOS نافارا” ضد العنصرية، والجبهة المدنية لمناهضة الإسلاموفوبيا، وشبكة نافارا لمكافحة الفقر والإقصاء الاجتماعي، ندوة عبر الإنترنت في 25 مايو 2021م تحت اسم “العيش معًا بدون كراهية”، وتركز الندوة على الخطب والرسائل المتحيزة والنمطية والتمييزية، والتي يمكن أن تعبر عن الكراهية تجاه الناس أو تجاه مجموعات معينة. كما تهدف الندوة إلى العمل على المساهمة في اختفاء الخطابات التي تنتهك حقوق الأفراد والجماعات وكرامتهم، وتعزيز مناخ من المشاعر الإيجابية في التعايش بين مختلف الناس.

وفي إطار سعي عدد من الجامعات والمنظمات المختلفة في إسبانيا إلى عقد ندوات وفعاليات بغرض القضاء على ظاهرة الإسلاموفوبيا وكراهية الآخر، أعلنت جامعة “بابلو دي أولابيدي”، وذلك برعاية مجلس مقاطعة إشبيلية ومؤسسة “كاجاسول” والمعهد الأندلسي للمرأة، عن تنظيم ندوة افتراضية عبر الإنترنت بعنوان: “الإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية: نحو قانون متكامل”، وتأتي الندوة في إطار سلسلة الندوات والدورات التي تعقدها جامعة “بابلو دي أولابيدي” خلال موسم الصيف، وذلك وفقًا لما ذكرته جريدة “لا بانجوارديا” الإسبانية في 7 يونية 2021م. وتهدف الدورة إلى تبادل المعرفة والمواقف والأفكار حول الإسلاموفوبيا والوقوف على أسباب انتشار خطاب الكراهية عبر وسائل الإعلام المختلفة والحد من هذا الانتشار، وكذلك البحث عن سبل لتعزيز الحوار والتماسك الاجتماعي وحل النزاعات.

وفي ظل المبادرات الحثيثة الرامية إلى مكافحة ظاهرة “الإسلاموفوبيا” في المجتمعات الغربية لخلق بيئة صحية للتعايش بين جميع أفراد المجتمع بغض النظر عن العرق والجنس واللون، عقدت جامعة غرناطة أيضًا مؤتمرًا بعنوان: “الإسلام، والعلمنة، والتغيير الديني في إسبانيا”، وذلك على مدار ثلاثة أيام في الفترة ما بين 21 إلى 28 أكتوبر 2021م، بهدف مناقشة العديد من القضايا التي تهم المجتمع الإسباني ككل، والجالية الإسلامية على وجه الخصوص، والتي كان من بينها تنامي اعتناق الإسبان للإسلام، حيث أفردت الجامعة جلسة خاصة لهذه القضية تحت عنوان “التغيير الديني للمجتمع الإسباني: العلمنة والتعددية”، وفق ما ذكر موقع “قناة جامعة غرناطة” الإسباني في 26 أكتوبر 2021م. ‏

كما سلط المؤتمر الضوء على أخطر الظواهر السلبية التي تهدد عملية التعايش السلمي بين أفراد المجتمع وعلى رأسها ظاهرة الإسلاموفوبيا والعنصرية، وذلك من خلال جلسة ثانية بعنوان «بناء “الآخر” المسلم: الإسلاموفوبيا، والموروفوبيا (كراهية المسلمين)، والعنصرية»، وقد اختتم المؤتمر فعالياته في 28 أكتوبر 2021م بجلسة تحت عنوان: “المواطنون المسلمون: مطالب، وإجراءات” ناقش فيها أبرز المطالب والتحديات التي تواجه المسلمين في إسبانيا. في السياق ذاته أعلنت “إدارة الهجرة” التابعة لوزارة التوظيف والأمن الاجتماعي وشؤون الهجرة في إسبانيا بالتعاون مع “الجمعية المغربية لإدماج المهاجرين” عن تنظيم ورشة عمل توعوية للمهنيين والمتطوعين حول الوقاية من الإسلاموفوبيا.

وتهدف هذه الورشة إلى إمداد المشاركين بالمعارف اللازمة للوقاية من الإسلاموفوبيا، وتسليط الضوء على الأنشطة الإيجابية للمجالس المحلية التي تراعي التنوع الثقافي والديني. وقد أوضحت نائبة رئيس البلدية لشؤون الهجرة في مجلس بلدية “موتريل” التابعة لمدينة غرناطة، “إنماكولادا توريس ألامينوس”، أن مثل هذا النوع من التدريبات يساعد في معالجة مفهوم الإسلاموفوبيا بوصفه نوعًا من التمييز الذي يؤثر سلبًا على المسلمين في مجالات مختلفة من الحياة اليومية، مثل التوظيف والتعليم والمواطنة، كما أشار موقع “أوندا ريخيونال دي مورثيا” الإخباري الإسباني، في 14 نوفمبر 2021م، ‏إلى تنظيم مؤسسات الفنار و‏”الموجة الإقليمية لمرسية” بتمويل من الاتحاد الأوروبي، ورش عمل ‏تدريبية لمجموعة من الفتيات المسلمات في مدينة “مرسية” الإسبانية لتدريبهن على كيفية مواجهة جرائم ‏الكراهية التي يتعرضن لها خلال معاملاتهن المختلفة، وخلال هذه الورش تلقت حوالي 50 ‏فتاة مسلمة تدريبًا يؤهلهن على مواجهة الكراهية التي يتعرضن لها على خلفية ارتدائهن الحجاب.‏

وفي بداية التدريب حددت الفتيات أكثر الكلمات التي يتعرضن لها وتؤذي مشاعرهن خلال ‏التعاملات اليومية، وتتصدر القائمة عبارتان هما: “لا أجلس في الحافلة بجانب السود والعرب” و”أنا لست عنصرية لكنني لن أقترن برجل أسود”. من جانبها شرحت “رجاء أغيلي”، منسقة هذا ‏النشاط، مواقف العنصرية والكراهية اليومية التي تحدث في المراكز التربوية، حيث أكدت أن النساء‏ يتأثرن سلبًا بظاهرة الإسلاموفوبيا أكثر من الرجال بسبب ارتدائهن للحجاب.

كما ‏أشار “مرصد مكافحة الإسلاموفوبيا في وسائل الإعلام في إسبانيا” على موقعه ‏الإلكتروني، في 11 نوفمبر 2021م، إلى طرح مؤسسة الفنار بالتعاون مع جمعية “كازلا” للحوار ‏بين الثقافات كُتيبًا لمكافحة الكراهية بعنوان: “وصفات تربوية لمكافحة الكراهية اليومية”، ويُعد هذا الكتيب نتاجا لمشروع “مكافحة الكراهية اليومية”، والذي يتمثل هدفه الرئيس في ‏إنشاء استراتيجية وطنية للتعليم والتوعية لمكافحة العنصرية والإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية في ‏إسبانيا، ويهدف العمل إلى جمع الخبرات الناجحة في التعليم والعمل ضد الكراهية في إسبانيا على ‏المستوى التعليمي والشبابي والسياسي وتقديمها للشباب.‏‏ بالإضافة إلى الدفاع عن التعديلات التشريعية ضد أي نوع من التمييز وخطاب الكراهية ‏على المستوى الوطني، وأيضًا إثراء معرفة الأشخاص ذوي الخبرة بآراء وأساليب منهجية ‏وأدوات ملموسة جديدة للتعامل مع قضايا العنصرية والإسلاموفوبيا والعنف، كما يركز الكُتيب على ‏حقوق الإنسان كمفهوم رئيس لتنمية العالم والعيش في مستقبل أفضل، وتعليم الفضائل القائمة ‏على الاحترام والتسامح.

رابط مختصر.. https://eocr.eu/?p=7757

تابعنا على تويتر

مقالات ذات صلة

الجهاديون ـ استعادة القاصرين و الأمهات الفرنسيين من مخيمات في سوريا

الجهاديون ـ استعادة القاصرين و الأمهات الفرنسيين من مخيمات في سوريا

فرنسا تعيد عشرات القاصرين وعديد الأمهات من مخيمات في سوريا وفق وزارة الخارجية يورونيوز ـ أعادت فرنسا 35 قاصرا و16 والدة كانوا يعيشون في مخيّمات يحتجز فيها جهاديون في سوريا، منذ سقوط تنظيم داعش، كما أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية الثلاثاء في بيان.وقالت الوزارة في بيان:...

محاربة التطرف في ألمانيا ـ إعادة تشكيل أحد أقسام وزارة الداخلية

محاربة التطرف في ألمانيا ـ إعادة تشكيل أحد أقسام وزارة الداخلية

وزيرة الداخلية الألمانية تعلن إعادة تشكيل أحد أقسام وزارتها ليشمل الحماية من التطرف - محاربة التطرف الشرق الأوسط ـ صرحت وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيزر بأن قسم الوطن الذي تم إنشاؤه في وزارتها بإلحاح من الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري (الذي كان يتولى حقيبة...

داعش ـ ماذا وراء نشاط التنظيم؟

داعش ـ ماذا وراء نشاط التنظيم؟

"قبل فوات الأوان".. ما الذي تغير بعد 8 سنوات من "خلافة داعش"؟ ­الحرة -  قبل ثماني سنوات كسر تنظيم "داعش" الحدود بين سوريا والعراق، معلنا قيام "خلافته الإسلامية"، وبينما توسّع نفوذه حتى وصل إلى أوجه على عهد "الخليفة الأول"، أبو بكر البغدادي تقلّص بالتدريج بعد خمس سنوات...

Share This