المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا
هل نجحت أوروبا في معالجة ملف استعادة المقاتلين الأجانب؟
يبقى مواطنون أوروبيون عالقين في مخيمات وسجون سوريا بعد سنوات من سقوط تنظيم داعش، فيما تتحرك الحكومات بخطى بطيئة نحو إعادتهم إلى أوطانهم. ويحذر الخبراء من أن هذا التردد يُغذي التطرف ويُقوّض الأمن على المدى الطويل، وسط دعوات متزايدة لضرورة تبني استجابة أوروبية منسقة. في مارس 2025، وقّعت الحكومة السورية الانتقالية برئاسة أحمد الشرع اتفاقًا مع قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي لتوحيد البلاد. وبعد مرور ما يقارب أربعة أشهر، لا تزال العملية جارية مع بقاء العديد من الملفات عالقة.
من أبرز هذه الملفات مصير مقاتلي تنظيم داعش الأجانب وعائلاتهم. فكلا المجموعتين محتجزتان في سجون ومخيمات تخضع لسيطرة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، إلا أن إدارة هذه المنشآت تمثّل تحديات خطيرة. تحتاج السجون إلى معايير أمنية لا تستطيع الإدارة الذاتية تأمينها دائمًا، وتمكن عدد من “الجهاديين” خلال السنوات الماضية من الهروب. أما المخيمات، فهي بيئات لا تزال فيها أيديولوجيا داعش حاضرة بقوة وتُنقل إلى الأطفال عبر نساء متمسكات بعقيدة التنظيم.
ومع عملية توحيد البلاد، يُتوقع أن تنتقل إدارة هذه السجون والمخيمات إلى حكومة الشرع. وقد تناول وزير الخارجية التركي هاكان فيدان القضية بأبعادها المختلفة، مؤكدًا دعم بلاده لدمشق ليس فقط في محاربة داعش، بل كذلك في إدارة مراكز احتجاز المقاتلين السابقين وذويهم من النساء والأطفال. لكن السؤال الأكبر هو: ماذا يجب أن يُفعل بهؤلاء “الجهاديين”، وبشكل أكثر إلحاحًا، بعائلاتهم العالقة في شمال شرق سوريا؟ ترى الباحثة تانيا ميهرا أن الحل يكمن في إعادتهم إلى أوطانهم. وتقول: حتى الآن لم تُعد سوى قلة من الدول مواطنيها، والدولة الوحيدة التي تحركت بنشاط نسبي هي العراق.
ومن بين الآلاف المحتجزين في مخيمي الهول وروج يوجد عدد من الأوروبيين. مثال ذلك مريم رحيلي، وهي إيطالية تبلغ 28 عامًا سافرت إلى سوريا عام 2014 وصدر بحقها حكم غيابي بالسجن 4 سنوات عام 2017 بتهمة الانتماء إلى تنظيم إرهابي. تشدد ميهرا على أن إعادة المواطنين ضرورية لأن دمشق تفتقر إلى نظام قضائي فعّال. فالمقترح السابق بإنشاء محكمة دولية لمحاكمة المقاتلين لم يُنفذ، كما أنه كان سيكلف مبالغ ضخمة ويقتصر على ملاحقة أصحاب المسؤوليات الكبرى. بالتالي، تظل الإعادة إلى الوطن الخيار الأكثر واقعية. تقول ميهرا: بعض الدول الأوروبية بدأت بالفعل بخطوات محدودة، خصوصًا في ما يتعلق بالنساء والأطفال، لكنها في المجمل تُلقي بالمسؤولية بعيدًا وترفض تحمل واجباتها تجاه مواطنيها.
الدور الأوروبي
على مستوى الاتحاد الأوروبي، تبقى مسؤولية العدالة الجنائية وإعادة الإدماج والأمن الداخلي بيد الدول الأعضاء، فيما يقتصر دور الاتحاد على الدعم والتنسيق. وتشمل هذه الصلاحيات مجالات مثل الأمن والتعاون القضائي وضبط الحدود. تتضمن استراتيجية الاتحاد لمكافحة الإرهاب برامج متعددة تعمل مع السلطات الوطنية. إذ يتولى منسق مكافحة الإرهاب قيادة الجهود الاستراتيجية، بينما يقدّم المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب في يوروبول ويوروجست دعمًا تشغيليًا وقضائيًا، كما يعزز شبكة التوعية بالتطرف سياسات فك التطرف في الدول الأعضاء.
لكن الحصول على معلومات واضحة حول التنسيق الفعلي في بروكسل بشأن إعادة المقاتلين وإعادة إدماجهم يكاد يكون مستحيلًا. عدم الرد على الأسئلة المباشرة، أو الإحالة المستمرة إلى مسؤوليات الدول الوطنية، كما حدث مع المتحدثين باسم منسق مكافحة الإرهاب الأوروبي، يعزز الانطباع بأن القضية ليست ضمن أولويات بروكسل وربما لا تُناقش أصلًا. توضح سيلفيا كارينزي، الباحثة في المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، أنه بعد سقوط نظام الأسد، أدى وجود مقاتلين أجانب سابقين في صفوف الجيش السوري الجديد إلى توترات بين دمشق والدول الغربية. لكن بعد لقاء الشرع والرئيس ترامب، بدا أن الولايات المتحدة ودولًا أخرى قبلت بدمج هؤلاء المقاتلين كحل عملي للسيطرة عليهم ضمن الإدارة الجديدة.
يولي الرئيس ترامب القضية أهمية خاصة، إذ يكرر أن على سوريا منع عودة داعش وتحمل مسؤولية المخيمات ومراكز الاحتجاز في الشمال الشرقي. وتزايدت المخاوف مؤخرًا بعدما أعلن وزير الداخلية السوري أن اثنين من منفذي الهجوم على كنيسة مار إلياس في دمشق كانا من سكان مخيم الهول. تقول كارينزي إن هذا التطور يؤكد أن إعادة المواطنين ووضع سياسات فعالة للتأهيل باتا أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
مستقبل غامض
لكن هل تستطيع دول الاتحاد الأوروبي إعادة النساء والأطفال ودمجهم مجددًا في المجتمع؟ يجيب كلاوديو بيرتولوتي، الخبير في التطرف وعضو مركز المعرفة الأوروبي لمكافحة التطرف، بالنفي. ويقول إن الدول الأوروبية تبنت مقاربة منغلقة لأن أي نموذج لإعادة دمج المتطرفين لم يُثبت فعاليته حتى الآن. فقد جُربت أساليب عدة دون نتائج مقنعة. يشير بيرتولوتي إلى عدم وجود برنامج منظم لفك التطرف في إيطاليا، حيث توقفت مشاريع القوانين المتعلقة بهذا الموضوع خلال دورات برلمانية سابقة. ويضيف: اليوم تحوّل النقاش من فك التطرف إلى منع السلوك العنيف، مع التركيز على منع تحول الكراهية إلى فعل.
يؤكد أن المتطرفين يمثلون نسبة ضئيلة من مجتمعاتهم، وأن من يُستقطب خلال سنوات المراهقة لا يبقى بالضرورة متطرفًا مدى الحياة، ما يُبرز أهمية التدخل المبكر في المدارس. ويضرب مثالًا بسويسرا التي تستثمر في تدريب المعلمين على رصد مؤشرات التطرف المبكر. خارج الاتحاد الأوروبي، تُعد كوسوفو نموذجًا ناجحًا نسبيًا في إعادة مواطنيها ودمجهم. فمنذ 2019 بدأت في إعادة النساء والأطفال، ووصل العدد إلى 253 شخصًا بحلول 2022، دون أن يشكلوا تهديدًا للمجتمع بحسب السلطات. واعتُبرت إعادة الإدماج جزءًا أساسيًا من مكافحة التطرف.
أنشأت كوسوفو إدارة متخصصة تضم عاملين اجتماعيين ونفسيين وموظفي مدارس وأجهزة أمنية، وقدمت دعمًا اقتصاديًا ونفسيًا ولغويًا، خصوصًا للأطفال. وتشير بيانات شبكة الصحافة البلقانية إلى نجاح التجربة، إذ لم يُعد غالبية المُدانين بقضايا الإرهاب ارتكاب الجرائم نفسها. ورغم الانتقادات الأوروبية والدولية بشأن خفة بعض الأحكام، تظل التجربة موضع إشادة عامة.
المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا



