هجمات 11 سبتمبر ــ كيف أعادت تشكيل سياسة ألمانيا الأمنية؟

سبتمبر 12, 2026 | دراسات

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

هجمات 11 سبتمبر ــ كيف أعادت تشكيل سياسة ألمانيا الأمنية؟

شكّلت هجمات 11 سبتمبر 2001 نقطة تحول عميقة في السياسة الأمنية الألمانية، بعدما كشفت التحقيقات عن صلة مباشرة بين منفذي الهجمات وخلية إرهابية نشطت في مدينة هامبورغ. ودفع ذلك ألمانيا إلى إعادة النظر في أدوات مكافحة الإرهاب وتوسيع صلاحيات أجهزة الأمن والاستخبارات. كما امتدت التداعيات إلى السياسة الخارجية والمشاركة العسكرية الألمانية في الحرب بأفغانستان.

صلة ألمانيا بهجمات 11 سبتمبر 2001

جرى التخطيط لهجمات 11 سبتمبر جزئيًا في مدينة هامبورغ، من خلال ما عُرف باسم “خلية هامبورغ”، التي اضطلع أفرادها بأدوار رئيسية في الهجوم. قال الرئيس الألماني السابق يوهانس راو: “لقد غيّر هذا اليوم العالم”. وكان قد تابع بصدمة انهيار برجي مركز التجارة العالمي المحترقين في نيويورك. وقُتل نحو 3 آلاف شخص في 11 سبتمبر 2001، عندما اختطف إرهابيون إسلامويون أربع طائرات ركاب وحولوها إلى أسلحة فتاكة. واجه رئيس الدولة الألماني صعوبة في العثور على الكلمات المناسبة، وقال: “لا نعرف ما التداعيات السياسية أو الاجتماعية التي ستترتب على ما حدث اليوم، وما شاهدناه يتكشف على شاشات التلفزيون بصدمة، بالكاد نستطيع استيعابه أو حتى التفكير فيه”. وسرعان ما اتضح أن الضحايا ينحدرون من 92 دولة، بينهم 11 ألمانيًا. وفي اليوم التالي، تأكدت شائعة كانت تنتشر بسرعة: ثلاثة من الخاطفين الأربعة المشتبه بهم كانوا قد أقاموا مؤخرًا في هامبورغ. وكان يُعتقد أن الإرهابيين الإسلامويين يقودهم محمد عطا، الذي قدم إلى المدينة الألمانية الشمالية في أوائل تسعينيات القرن الماضي للدراسة.

في مرحلة ما، اعتنق الشاب الفكر المتطرف، ولا سيما في مسجد القدس بمدينة هامبورغ، الذي أغلقته السلطات الأمنية الألمانية لاحقًا. وأمضى السنوات الثلاث الأخيرة من حياته في شقة مشتركة مع اثنين آخرين من المهاجمين المشتبه بهم في حي هاربورغ. وكان يُعتقد أن الخلية الإرهابية المعروفة باسم “خلية هامبورغ” تضم ستة رجال، من بينهم المغربي منير المتصدق. وقد وُجهت إليه تهمة التواطؤ في أول محاكمة في العالم مرتبطة بهجمات 11 سبتمبر 2001. وفي عام 2003، أصدرت المحكمة الإقليمية العليا في هامبورغ حكمًا بسجنه لمدة 15 عامًا، وهي العقوبة القصوى، لإدانته بالمساعدة والتحريض على قتل آلاف الأشخاص، والانتماء إلى منظمة إرهابية.

رجل من بريمن في غوانتانامو

بعد قضاء عقوبته، رُحل المتصدق إلى بلده الأصلي المغرب. وكان رمزي بن الشيبة، المولود في اليمن، أحد المهاجمين المشتبه بهم الآخرين من الدائرة المحيطة بالطيار محمد عطا. وقد احتُجز بن الشيبة دون محاكمة في المنشأة الأمريكية في غوانتانامو منذ عام 2006. واحتجزت الولايات المتحدة مئات المشتبه بهم في هذا السجن وكان من بينهم مراد كرناز، المولود في مدينة بريمن الألمانية. وأُفرج عنه في أغسطس 2006 بعد نحو خمس سنوات، دون وجود أدلة تثبت تورطه في الهجمات الإرهابية. في غضون ذلك، سعت لجان تحقيق في البرلمان الألماني “البوندستاغ” إلى تحديد أسباب خضوع كرناز ومشتبه بهم آخرين لمراقبة أجهزة الاستخبارات الأمريكية والألمانية بصورة خاطئة. وكان من بين الذين استُدعوا للإدلاء بشهاداتهم وزير الخارجية آنذاك والرئيس الألماني الحالي فرانك فالتر شتاينماير. وتركز التحقيق على السؤال المتعلق بأسباب رفض السلطات الأمنية الألمانية في عام 2002 عودة المعتقل المولود في ألمانيا، والذي كان يحمل جواز سفر تركيًا. أوضح شتاينماير: “لا أحد يشك، وأنا أيضًا لا أشك، في أن السيد كرناز عانى بشدة في غوانتانامو. ولهذا سعينا أيضًا إلى ضمان معاملته وفقًا لسيادة القانون. لكن في الوقت نفسه، أرجو أن تتفهموا أننا كنا ملزمين أيضًا بضمان الأمن في بلدنا”.

“التضامن غير المشروط“

جسدت قضية كرناز حجم الضغوط التي واجهها صانعو السياسات في ألمانيا في أعقاب الهجمات الإرهابية في الولايات المتحدة. وتحدث المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر أمام البرلمان في اليوم التالي. وقال السياسي المنتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي: ” 11 سبتمبر 2001، سيدخل التاريخ باعتباره يومًا مظلمًا لنا جميعًا”. وأضاف أنه نقل إلى الرئيس الأمريكي تعازي الشعب الألماني بأسره. وقال شرودر: “لقد أكدت له أيضًا تضامن ألمانيا غير المشروط، وأشدد على كلمة: غير المشروط”. وأضاف أن ألمانيا ستقدم للولايات المتحدة أي مساعدة تطلبها، “وبالطبع، أيضًا من خلال تحديد المسؤولين عن هذه الهجمات الدنيئة ومن يقفون وراءها وملاحقتهم”.

حددت تصريحات شرودر المسار وفتحت الباب أمام سلسلة من القوانين الأكثر تشددًا. وبعد أسابيع قليلة من الهجمات، قدم الائتلاف الحاكم المكون من الاشتراكيين الديمقراطيين والخضر أول ما عُرف باسم “حزمة الأمن”، وشملت تمويلًا أكبر، وزيادة أعداد الموظفين، فضلًا عن توسيع صلاحيات الشرطة وأجهزة الاستخبارات. وأصبح من الممكن حظر المنظمات الدينية التي كانت تتمتع سابقًا بحماية خاصة، مثلها مثل الجمعيات الأخرى، إذا كانت أنشطتها موجهة ضد القانون الأساسي، أي النظام الدستوري الألماني القائم على الحرية والديمقراطية، أو إذا كانت تسعى إلى تحقيق أهداف إجرامية أخرى. وبعد أقل من أربعة أشهر على الهجمات الإرهابية في الولايات المتحدة، دخل قانون مكافحة الإرهاب الألماني حيز التنفيذ.

وأُتيح لأجهزة الاستخبارات الوصول إلى البيانات الشخصية التي تحتفظ بها البنوك وشركات الطيران وشركات الاتصالات. كما جرى تشديد قوانين الهجرة. ومن خلال عمليات البحث المعتمدة على تحليل البيانات، والتي كانت تتم فيها مطابقة كميات كبيرة من البيانات دون وجود اشتباه محدد، سعت السلطات إلى تحديد ما يسمى “الخلايا النائمة”، أي أشخاص مثل محمد عطا وأعضاء خلية هامبورغ، الذين لم تتمكن أجهزة الأمن من تحديدهم في الوقت المناسب. وأوقفت المحكمة الدستورية الاتحادية هذه الممارسة التي أثارت إشكالات قانونية. وقضت المحكمة في حكم صدر عام 2006 بأن عمليات البحث هذه لا تجوز إلا عند وجود تهديد محدد. وبعد سبع سنوات، قضت أعلى محكمة في ألمانيا أيضًا بأن أجزاء من قاعدة بيانات مكافحة الإرهاب في البلاد تتعارض مع الدستور.

ألمانيا تنضم إلى الحرب في أفغانستان

كان للهجمات الإرهابية الإسلاموية في 11 سبتمبر 2001 أيضًا تداعيات عسكرية بعيدة المدى واستمرت لسنوات. وبدأت الولايات المتحدة هجماتها على حركة طالبان في أفغانستان في أكتوبر 2001، بعدما رفضت الحركة تسليم أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي والمشتبه في أنه العقل المدبر للهجمات. وانضمت ألمانيا إلى الحرب التي قادتها الولايات المتحدة في ديسمبر 2001. واستمر الصراع 20 عامًا، وانتهى في أغسطس 2021 بعودة حركة طالبان إلى السلطة. وقُتل نحو 3600 جندي من القوات الدولية، بينهم 59 عنصرًا من القوات المسلحة الألمانية “البوندسفير”. كما قُتل ثلاثة من أفراد الشرطة الألمانية. ولا تزال كلمات الرئيس الألماني السابق يوهانس راو التي قالها في 11 سبتمبر 2001، في أعقاب الهجمات الإرهابية الإسلاموية في الولايات المتحدة، تتردد حتى اليوم: “لقد غيّر هذا اليوم العالم”.

https://eocr.eu/?p=13997

 المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

تابعنا على تويتر

مقالات ذات صلة

مكافحة الإرهاب ـ كيف يواجه اليوروبول التهديدات الإرهابية؟

مكافحة الإرهاب ـ كيف يواجه اليوروبول التهديدات الإرهابية؟

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا. مكافحة الإرهاب ـ كيف يواجه اليوروبول التهديدات الإرهابية؟ يمثل المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب (ECTC) أحد المحاور الرئيسية في جهود يوروبول لتطوير التعاون الأوروبي والدولي في مواجهة الإرهاب والتطرف العنيف. ومنذ تأسيسه عام 2016،...

مكافحة الإرهاب ـ هل تتحول ألمانيا إلى مركز جديد لأنشطة إيران؟

مكافحة الإرهاب ـ هل تتحول ألمانيا إلى مركز جديد لأنشطة إيران؟

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا. مكافحة الإرهاب ـ هل تتحول ألمانيا إلى مركز جديد لأنشطة إيران؟ تثير الأنشطة المرتبطة بإيران في ألمانيا مخاوف أمنية متزايدة، في ظل اتهامات لطهران بتوظيف شبكات تنظيمية لتوسيع نفوذها داخل المجتمع الألماني. ورغم حظر مؤسسات مرتبطة...

تصاعد التطرف اليميني في هولندا

تصاعد التطرف اليميني في هولندا

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا. تصاعد التطرف اليميني في هولندا تواجه هولندا تهديدات أمنية متباينة تشمل محاولات تطبيع أيديولوجيا التطرف اليميني وتصاعد الهجمات السيبرانية الصينية. وتحذر أجهزة الاستخبارات والأمن الهولندية من استغلال المجالات الاجتماعية والرقمية...