مكافحة الإرهاب في بريطانيا ـ لماذا يتزايد خطر التطرف الرقمي بين الشباب؟

أغسطس 2, 2026 | دراسات

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

مكافحة الإرهاب في بريطانيا ـ لماذا يتزايد خطر التطرف الرقمي بين الشباب؟

يمثل تطرف الأطفال في بريطانيا أحد أكثر التحديات الأمنية والمجتمعية تعقيدًا خلال السنوات الأخيرة، في ظل تزايد تأثير الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي في عمليات الاستقطاب ونشر الأفكار المتطرفة. ومع انخفاض متوسط أعمار المعرضين للتطرف، كثفت السلطات البريطانية جهودها الوقائية عبر برامج مثل Prevent، إلى جانب مراجعة التشريعات وتعزيز التعاون بين المؤسسات الأمنية والتعليمية والمجتمعية للحد من استهداف الأطفال وحمايتهم من مخاطر التطرف العنيف.

تزايد الإحالات إلى برنامج Prevent

تُظهر أرقام جديدة من برنامج “بريفينت” الحكومي لمكافحة الإرهاب في بريطانيا أن عدد الأطفال الذين يتعرضون للتطرف عبر الإنترنت أصبح أكبر من أي وقت مضى في السجلات. وكان أكثر من 1,400 طفل تحت سن 18 عامًا تم إحالتهم إلى برنامج Prevent باعتبارهم يشكلون خطرًا إرهابيًا محتملًا في عامي  2024-2025، قد استُدرجوا إلى التطرف بشكل رئيس عبر التأثيرات الإلكترونية. ويُمثّل هذا زيادة تقرب من 5 أضعاف في عقد من الزمن، مقارنة بـ 292 طفلاً فقط في 2015- 2016، وفقًا لبيانات الشرطة. وشكّلت التأثيرات عبر الإنترنت 30 في المئة من هؤلاء الأطفال الذين شملهم برنامج “بريفينت”، المخصص لمواجهة التطرف، مقارنة بـ 19 في المئة قبل عقد من الزمن.

تعزيز خطط الحكومة لفرض حظر على وسائل التواصل الاجتماعي

قد ارتفع عدد الأطفال المحالين إلى “بريفينت” ارتفاعًا كبيرًا منذ جائحة كوفيد، عندما جرى إغلاق المنازل وقضى ملايين الأطفال وقتًا أطول من أي وقت مضى عبر الإنترنت. وتُظهر أرقام الشرطة، التي حصل عليها حزب المحافظين عبر طلبات حرية الحصول على المعلومات، أنه للعام الثالث على التوالي كان أكثر من 50% الأشخاص المحالين إلى برنامج “بريفينت” من الأطفال. ومُنذ عام 2015-2016، تضاعف عدد الأطفال المحالين إلى برنامج مكافحة الإرهاب ثلاث مرات من 1,534 إلى 4,763 طفلًا، وهو أعلى رقم سنوي يُسجَّل على الإطلاق، بزيادة قدرها 25 في المئة خلال عام واحد. وستُعزّز هذه البيانات خطط الحكومة لفرض حظر على وسائل التواصل الاجتماعي على غرار الأسلوب الأسترالي للأطفال دون سن 16 عامًا، وحظر تجول للمراهقين الكبار حتى سن 18 عامًا لمحاولة تقليل أوقات بقائهم عبر الإنترنت ليلًا. يحظى حظر وسائل التواصل الاجتماعي، الذي سيُطرح عبر تشريع خلال العام 2026، بدعم قادة مكافحة الإرهاب وجونثان هول كي سي، المستشار الرسمي للحكومة بشؤون تشريعات الإرهاب.

خطر التطرف يتطلب “استجابة مجتمعية شاملة”

أكد تحالف “العيون الخمس” لرؤساء الاستخبارات في بريطانيا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، إن خطر التطرف عبر الإنترنت الذي يستدرج الأطفال نحو الإرهاب العنيف خطير للغاية لدرجة يتطلب معها “استجابة مجتمعية شاملة”. وفي وثيقة موجهة للرأي العام غير سباقة، دعا التحالف أولياء الأمور إلى أن يكونوا أكثر حذرًا تجاه المخاطر، والدول إلى منح سلطات أكبر لوكالات إنفاذ القانون، وشركات وسائل التواصل الاجتماعي إلى بذل مزيد من الجهود لإزالة المحتوى المتطرف من منصاتها.

جيل جديد عرضة للتطرف

يقول كريس فيلب، وزير الداخلية في حكومة الظل: “هناك جيل جديد يتعرض للتطرف، وهذه أزمة ناشئة يجب علينا معالجتها فورًا”. واستشهد بحالات مثل قاتل ساوثبورت أكسيل روداكوبانا الذي شاهد ساعات من المواد المتطرفة العنيفة والصادمة عبر الإنترنت، ونيكولاس بروسبر الذي تعرض للتطرف عبر الإنترنت وتدبير عملية إطلاق نار جماعي في مدرسة ابتدائية في لوتون بعد قتله ثلاثة أفراد من عائلته. وأضاف: “من أكسيل روداكوبانا إلى نيكولاس بروسبر، ومن تصاعد معاداة السامية إلى الهجمات العنيفة في جميع أنحاء البلاد، هناك أمر خاطئ تمامًا، ولا يمكن لحزب العمال التعامل مع التطرف كأمر يخص يومًا آخر”. تقول لورا تروت، وزيرة التعليم في حكومة الظل: “حقيقة أن الأطفال أصبحوا الشريحة الأكبر المحالة إلى نظام مكافحة الإرهاب لدينا يجب أن تجعل كل ولي أمر في البلاد يشعر بالذعر الشديد”. وأضافت: “لقد جُرِي تحذير حزب العمال مرارًا وتكرارًا من أن التطرف عبر الإنترنت بين الشباب أصبح يشكل خطرًا على الأمن القومي بحد ذاته. ويجب على الحكومة المضي قدمًا وبسرعة أكبر مما فعلت حتى الآن”.

رفع مستوى التهديد الإرهابي من “كبير” إلى “خطير

رفعت المملكة المتحدة مستوى التهديد الإرهابي من “كبير” إلى “خطير”، في خطوة تعني أن وقوع هجوم إرهابي خلال العام 2026 بات “مرجحًا للغاية”، وذلك للمرة الأولى منذ (4) سنوات، وسط تحذيرات رسمية من تزايد تهديد الأفراد والجماعات المطرفة المتمركزة داخل البلاد. جاء القرار بالتزامن مع تحذير صادر عن وزارة الداخلية البريطانية بشأن تنامي مخاطر التطرف المحلي، في وقت تواصل فيه السلطات البريطانية تعزيز برامج التدخل المبكر ضمن استراتيجية مكافحة الإرهاب المعروفة باسم “كونتست”.

بريفنت” أحد الركائز الأساسية لاستراتيجية “كونتست

يعتبر برنامج “بريفنت” أحد الركائز الأساسية لهذه الاستراتيجية، إذ يهدف إلى منع الأفراد من الانخراط في الإرهاب أو تبني الأيديولوجيات المتطرفة، من خلال تقديم تدخلات مبكرة ومصممة خصيصًا لمعالجة عوامل التطرف المحتملة. وبحسب خبراء في دراسات مكافحة الإرهاب، فإن العاملين ضمن برنامج “بريفنت” يؤدون مهامهم “بالتزام وتفان رغم محدودية التمويل والموارد”، وأشاروا إلى أنهم اكتسبوا فهمًا عميقًا لطبيعة عمل البرنامج من خلال تواصلهم المستمر مع القائمين عليه. ولا تعني إحالة شخص إلى برنامج “بريفنت” أنه ارتكب جريمة أو يُشتبه بضلوعه في نشاط جنائي، بل تشير إلى أن أحد المختصين الملزمين قانونيًا بواجب مكافحة التطرف أبدى مخاوف تتعلق بسلوك أو تصريحات أو نقاط ضعف قد تجعل الشخص عرضة للتطرف. يشمل هؤلاء المختصون العاملين في قطاعات التعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية.

انتقادات متواصلة للبرنامج

يشمل الدعم المقدم خدمات الإرشاد والدعم النفسي، ويتم تصميمه وفقًا لاحتياجات كل حالة، مع احتفاظ الأفراد بحق رفض المشاركة أو الانسحاب في أي وقت. ورغم الطابع الوقائي للبرنامج، فإنه يواجه انتقادات متواصلة تتعلق باتساع نطاقه واحتمال اعتماده على تفسيرات خاطئة أو مبالغ فيها لبعض السلوكيات. ويرى منتقدون أن البرنامج قد يسهم في تعزيز الاستقطاب، خاصة تجاه المسلمين، عبر شعور بعض الأفراد بأنهم موضع مراقبة أو وصم اجتماعي نتيجة سوء فهم ثقافي أو ديني أو سياسي. كما يواجه النظام قيودًا هيكلية، كونه يعتمد على تدخلات مؤقتة وليس آلية مراقبة دائمة، ما يعني أن إغلاق أي قضية لا يلغي احتمال وجود مخاطر مستقبلية، بل يشير فقط إلى أن معايير التدخل لم تكن متوافرة في ذلك الوقت.

يشير مؤيدو البرنامج إلى أن آلاف الأشخاص يتلقون سنويًا دعمًا مبكرًا يساعدهم على الابتعاد عن الأفكار المتطرفة دون أن تحظى هذه الحالات الإيجابية باهتمام إعلامي واسع. ويؤكد خبراء أن برنامج “بريفنت” يعمل ضمن مساحة شديدة الحساسية بين متطلبات الأمن والحماية المجتمعية، حيث يتم تقييم المخاطر قبل وقوع الجرائم، ما يجعل الجدل حوله مستمرًا بين من يعتبره أداة وقائية ضرورية ومن يراه مصدرًا محتملاً للاستقطاب.

https://eocr.eu/?p=13794

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

تابعنا على تويتر

مقالات ذات صلة

مكافحة الإرهاب ـ هل تنجح بريطانيا في احتواء تنامي التطرف؟

مكافحة الإرهاب ـ هل تنجح بريطانيا في احتواء تنامي التطرف؟

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا مكافحة الإرهاب ـ هل تنجح بريطانيا في احتواء تنامي التطرف؟ سجلت المملكة المتحدة أعلى عدد من الإحالات إلى برنامج "بريفنت" لمكافحة التطرف منذ إطلاقه، في ظل ارتفاع ملحوظ في الحالات المرتبطة بالتطرف اليميني المتطرف. وتعكس هذه الأرقام...

مكافحة الإرهاب في ألمانيا ـ من يقف وراء هجوم برلين؟

مكافحة الإرهاب في ألمانيا ـ من يقف وراء هجوم برلين؟

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا مكافحة الإرهاب في ألمانيا ـ من يقف وراء هجوم برلين؟ أثار هجوم برلين موجة من التساؤلات حول احتمال وجود دور روسي في الحادث، بالتزامن مع تصاعد حملات التضليل الإعلامي قبل الانتخابات الألمانية. وبينما لا توجد أدلة تثبت تورطًا...

إلى أي مدى تستفيد الجماعات المتطرفة من الهجرة غير شرعية؟

إلى أي مدى تستفيد الجماعات المتطرفة من الهجرة غير شرعية؟

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا إلى أي مدى تستفيد الجماعات المتطرفة من الهجرة غير شرعية؟ يشكل الإرهاب "الجهادي" أحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجه أوروبا، مع استمرار تهديدات التنظيمات المتطرفة وشبكاتها العابرة للحدود، إلى جانب تصاعد ظاهرة التطرف الفردي عبر...