مكافحة الإرهاب في بريطانيا ـ كيف يمكن للحكومة مواجهة جرائم الطعن؟
uk ct

نوفمبر 9, 2025 | دراسات

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

مكافحة الإرهاب في بريطانيا ـ كيف يمكن للحكومة مواجهة جرائم الطعن؟

أعاد حادث الطعن المروّع الذي وقع على متن قطار، وأسفر عن إصابة تسعة أشخاص بجروح تهدد حياتهم، تسليط الضوء مجددًا على مشكلة العمليات الإرهابية والجريمة بالسكاكين التي انتشرت في المملكة المتحدة. وُجّهت إلى رجل بريطاني يبلغ من العمر 32 عامًا تهمة محاولة القتل في عشر حالات، على خلفية الهجوم الذي وقع على قطار كان متجهًا من وسط إنجلترا إلى لندن. ولم يُدلِ المتهم بعد بأي اعتراف أو دفاع أمام المحكمة.

وأدان السياسيون البريطانيون الحادث، إذ قالت وزيرة الداخلية شابانا محمود أمام مجلس العموم إن “جرائم الطعن تحصد أرواحًا كثيرة في بلادنا”. ورغم تعهد الحكومات المتعاقبة بمواجهة هذه الظاهرة، فإن جرائم الطعن ما زالت تمثل مشكلة كبيرة في بلد يخضع فيه حيازة الأسلحة النارية والبيضاء لقيود مشددة. ووفقًا لمكتب الإحصاءات الوطني البريطاني، سُجل في إنجلترا وويلز (باستثناء مانشستر الكبرى) ما مجموعه 51,527 جريمة مرتبطة باستخدام السكاكين خلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في يونيو 2025. ومن بين هذه الجرائم، كانت هناك 196 جريمة قتل. ومع ذلك، فقد انخفض العدد الإجمالي للجرائم المسجلة المرتبطة بالسكاكين بنسبة 5% مقارنة بالفترة نفسها من العام 2024.

ما مدى شيوع جرائم القتل بالطعن في بريطانيا؟

يرى إيان أوفرتون، المدير التنفيذي لمنظمة “العمل ضد العنف المسلح”، أن مشكلة الجريمة بالسكاكين تمثل “قضية اجتماعية خطيرة”، لكنها “لا ينبغي أن تُثير حالة من الهلع الأخلاقي”. ففي السنة المنتهية في مارس 2024، سُجلت 570 جريمة قتل في إنجلترا وويلز، منها 262 جريمة ارتُكبت باستخدام سكين أو أداة حادة أخرى. وأفاد مكتب الإحصاءات الوطني بأن أكثر الأدوات استخدامًا في هذه الجرائم كانت سكاكين المطبخ، بينما قُتل 22 شخصًا فقط بإطلاق النار. كما قُتل 64 مراهقًا تتراوح أعمارهم بين 13 و19 عامًا خلال تلك الفترة، وكان 83% منهم ضحايا لجرائم طعن أو اعتداء بأداة حادة.

وبما أن بعض الجرائم لا تُبلّغ للشرطة، فإن بيانات المستشفيات تسهم في توضيح حجم المشكلة. فقد شهدت إنجلترا، بين أبريل 2024 و2025، 3,494 حالة دخول إلى المستشفيات نتيجة اعتداءات بأدوات حادة، وفقًا لبيانات هيئة الخدمات الصحية الوطنية. وكان نحو 90% من المصابين من الذكور، و16% منهم دون سن الثامنة عشرة. أما في اسكتلندا وأيرلندا الشمالية، اللتين تسجلان الجرائم بشكل منفصل، فقد وقعت 28 جريمة قتل بأداة حادة في اسكتلندا بين عامي 2023 و2024، و4 جرائم فقط في أيرلندا الشمالية خلال الفترة نفسها.

وفي المقارنة الدولية، سُجل في الولايات المتحدة عام 2023 مقتل 1,704 أشخاص بسبب “القطع أو الطعن”، وفقًا لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها. بينما بلغت معدلات القتل في إنجلترا وويلز 9.5 لكل مليون نسمة خلال الفترة من مارس 2023 إلى 2024، مقابل 68 لكل مليون في الولايات المتحدة في 2023. أما في الاتحاد الأوروبي، الذي يضم نحو 450 مليون نسمة، فقد سُجلت 3,980 جريمة قتل عمد في عام 2023.

ما الأسباب الجذرية للمشكلة؟

وصفت رابطة السلطات المحلية في بريطانيا في تقرير صدر في أكتوبر 2025، جرائم الطعن بأنها “قضية متعددة الأوجه لا يمكن حلها بوسائل إنفاذ القانون وحدها”. وقال سيدهارتا بانديوبادياي، الخبير الاقتصادي ومدير مركز الجريمة والعدالة والشرطة بجامعة برمنغهام، إن الفقر، والمشاكل النفسية، والطرد من المدارس، والمشكلات الأسرية كلها عوامل قد تسهم في تورط الأفراد في جرائم الطعن. وأوضح جيمس ألكسندر، الباحث في علم الجريمة بجامعة لندن متروبوليتان، أن جرائم الطعن التي يرتكبها الشباب لم تعد مرتبطة بالعصابات كما في الماضي. وقال: “قبل عشر سنوات، كانت تلك الجرائم متوقعة لأنها غالبًا ما كانت ناتجة عن نزاعات بين العصابات. أما الآن، فالأمر أصبح غير قابل للتنبؤ، إذ يُلقى القبض على شباب لحملهم سكاكين أو تورطهم في طعنات، رغم عدم وجود سجل إجرامي لديهم أو مؤشرات مسبقة على العنف”. وأضاف ألكسندر أن انتشار العنف أو الخوف منه في المجتمع يدفع العديد من الشباب لحمل السكاكين لحماية أنفسهم، وحين يشعرون بالتهديد يلجأون لاستخدامها بدلًا من الهروب أو القتال بالأيدي، مما يؤدي إلى عواقب مدمرة.

وأشار إلى أن بعض هؤلاء الشباب الذين نشأوا في “ثقافة تتسامح مع العنف” يصبحون بالغين عنيفين. وقال: “هناك الكثير من الشباب غير المدعومين الذين يكبرون دون توجيه أو رعاية، فينقلون سلوكهم العنيف إلى مرحلة البلوغ، وهذا مقلق للغاية”.

ما الذي يتم فعله لمواجهة الجريمة بالسكاكين؟

خلال حملة الانتخابات البرلمانية لعام 2024، تعهد حزب العمال الحاكم حاليًا بمحاولة “خفض جرائم الطعن إلى النصف خلال عقد واحد”. وقالت وزارة الداخلية إن ما يقرب من 60 ألف سكين أُزيلت من الشوارع في إنجلترا وويلز من خلال برامج تسليم السكاكين وعمليات الشرطة منذ تولي حكومة كير ستارمر السلطة. كما حُظر بيع أسلحة مثل “سكاكين الزومبي” و”سيوف النينجا”، وتم تعزيز إجراءات التحقق من العمر في المبيعات والتسليمات الإلكترونية للسكاكين. وأعلنت وزيرة الداخلية أمام البرلمان أن العام 2025 شهد انخفاضًا بنسبة 5% في جميع جرائم السكاكين، بما في ذلك انخفاض بنسبة 18% في جرائم القتل باستخدام السكاكين.

لكن إيان أوفرتون من منظمة “العمل ضد العنف المسلح” أكد أن فرض القوانين وحده لا يكفي، قائلًا: “هذه ليست مجرد قضية تتعلق بالشرطة. فخفض تمويل خدمات الشباب والصحة النفسية، والفقر، والعزلة، واستغلال الأطفال في شبكات المخدرات كلها عوامل ساعدت على خلق بيئة خصبة للعنف”. وأضاف: “العمل الحقيقي يجب أن يركز على الوقاية، من خلال التعليم، والاستثمار المجتمعي، والتدخل المبكر”. ومن المبادرات الوقائية الناجحة، أشار بانديوبادياي إلى “عملية ديفان” التي تنفذها الشرطة في مقاطعة نورث يوركشاير، وتهدف إلى ردع الشباب عن حمل السكاكين. فإذا اشتبهت الشرطة في أن شابًا يتعامل مع السكاكين، تتواصل مع الجهات المحلية لشرح مخاطرها له، ما يتيح فهمًا أفضل لأسباب تورط الشباب في مثل هذه السلوكيات. وأكد بانديوبادياي أن هناك “فرصة كبيرة للتدخل المبكر” من خلال برامج توعوية طوعية للشباب.

أما ألكسندر، فقال إنه قيّم “العديد من البرامج المبتكرة” لمكافحة الجريمة بالسكاكين، لكنها غالبًا ما تتوقف بعد بضع سنوات بسبب نقص التمويل. وأضاف: “الحكومة تتخذ إجراءات عملية في ما يتعلق بتقييد بيع الأدوات الحادة، لكن الحقيقة أن كثيرًا من الشباب يعانون من أضرار نفسية عميقة”. واختتم قائلًا: “ما يحتاجه هؤلاء الشباب هو الدعم، وليس بالضرورة من معالج نفسي، بل مجرد مساحة يشعرون فيها بالأمان، حيث يمكنهم أن يكونوا أطفالًا دون الحاجة إلى حمل سكين”.

https://eocr.eu/?p=12492

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

 

 

تابعنا على تويتر

مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي ـ ما مدى تأثير المحتوى التوليدي لليمين المتطرف على المجتمعات الأوروبية؟

الذكاء الاصطناعي ـ ما مدى تأثير المحتوى التوليدي لليمين المتطرف على المجتمعات الأوروبية؟

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا الذكاء الاصطناعي ـ ما مدى تأثير المحتوى التوليدي لليمين المتطرف على المجتمعات الأوروبية؟ في الفترة التي سبقت انتخابات البرلمان الأوروبي لعام 2024، استخدمت العديد من الأحزاب السياسية اليمينية المتطرفة في فرنسا وإيطاليا وبلجيكا...

مكافحة الإرهاب ـ الاتحاد الأوروبي يمدد التدابير التقييدية على حركة حماس

مكافحة الإرهاب ـ الاتحاد الأوروبي يمدد التدابير التقييدية على حركة حماس

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا مكافحة الإرهاب ـ الاتحاد الأوروبي يمدد التدابير التقييدية على حركة حماس أُلقي القبض على شخص يُشتبه بانتمائه لحركة حماس في مطار برلين براندنبورغ (BER)، لدى وصوله من لبنان. ويتهمه المحققون بأنه جزء من فريق من العملاء الأجانب. حيث...

مكافحة الإرهاب في ألمانيا ـ تداعيات نقل واشنطن محتجزي داعش من سوريا إلى العراق،

مكافحة الإرهاب في ألمانيا ـ تداعيات نقل واشنطن محتجزي داعش من سوريا إلى العراق،

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا مكافحة الإرهاب ـ لماذا نقلت الولايات المتحدة سجناء داعش من سوريا إلى العراق؟ تُثير التقارير الواردة عن أنصار تنظيم داعش الذين فرّوا إلى سوريا قلقًا لدى السلطات الأمنية الألمانية. ووفقًا للمكتب الاتحادي لحماية الدستور (BfV)، فقد...