مكافحة الإرهاب في أوروبا ـ تحديات متصاعدة

سبتمبر 30, 2026 | دراسات

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا.

مكافحة الإرهاب في أوروبا ـ تحديات متصاعدة

يتجاوز النقاش الأوروبي حول الإسلام السياسي التركيز التقليدي على الإرهاب والجماعات التي تدعو إلى العنف، ليتجه نحو مسألة أكثر إثارة للجدل، تتمثل في كيفية تعامل الحكومات مع الحركات التي تعمل في إطار القانون، لكنها تُرى على أنها تسعى إلى استخدام المؤسسات الدينية أو المدنية أو السياسية للتأثير في المجتمع والدولة. يؤدي هذا التحول إلى زيادة الاهتمام بما تصفه بعض الحكومات والأحزاب السياسية بـ”الإسلام السياسي” أو “الإسلاموية القانونية” أو “الإسلام السياسي الناعم”، وهي أنشطة لا تنطوي بالضرورة على العنف، لكن السلطات تنظر إليها باعتبارها محاولة لبناء نفوذ سياسي أو اجتماعي من خلال المنظمات الدينية أو المجتمع المدني أو التعليم أو السياسة الانتخابية.

الأنشطة المرتبطة بـ”الإسلام السياسي”

كما يثير ذلك سؤالًا صعبًا أمام الديمقراطيات الأوروبية: أين تنتهي الممارسة الدينية المشروعة، وأين تبدأ الأنشطة السياسية أو التنظيمية التي تعتبرها السلطات مصدر قلق أمني أو دستوري؟. تقدم النمسا مثالًا واضحًا بصورة خاصة على التحول في هذا النقاش. ففي مارس، قدم نواب مقترحًا لقانون يحظر “الإسلام السياسي”، وأحالوه إلى اللجنة الدستورية في البرلمان. وناقشت اللجنة المقترح يوم الأربعاء، لكنها أجلت النظر فيه، ما يعني أن النمسا لا تملك قانونًا جديدًا يحظر الإسلام السياسي بصورة شاملة، وأن المقترح لا يزال جزءًا من نقاش سياسي وتشريعي مستمر. وقدم المقترح نواب من حزب الحرية اليميني المتطرف، ويدعو إلى حظر الأنشطة المرتبطة بـ”الإسلام السياسي”، وحل المساجد والمنظمات التي تعتبر منتمية إلى هذه الفئة. كما يقترح اتخاذ إجراءات بحق الأشخاص المنتمين إلى هذه المنظمات أو الداعمين لها.

تزامن هذا النقاش مع دخول إجراء منفصل حيز التنفيذ ، يقيد ارتداء الفتيات في المدارس للحجاب الإسلامي حتى سن الرابعة عشرة. وتقول الحكومة إن الإجراء يهدف إلى حماية نمو الفتيات واستقلاليتهن ومساواتهن، بينما وصفه منتقدون بأنه تمييزي. وينطبق الإجراء على المدارس الحكومية والخاصة، مع تصاعد العقوبات في حال تكرار المخالفات. وتختلف القضيتان من الناحية القانونية. إذ ينظم إجراء الحجاب ارتداء الملابس الدينية في المدارس، بينما يسعى التشريع المقترح بشأن الإسلام السياسي إلى تنظيم المنظمات والأنشطة التي تعتبر ذات غرض سياسي أو أيديولوجي. لكن تزامن القضيتين أدى إلى توسيع النقاش الأوسع في النمسا حول العلاقة بين الإسلام والدين والدولة.

النقاش يزداد تعقيدًا

ويزداد هذا النقاش تعقيدًا بسبب عدم وجود تعريف قانوني موحد لمصطلح “الإسلام السياسي” في مختلف أنحاء أوروبا. وتستخدم بعض الحكومات والحركات السياسية هذا المصطلح لوصف الجهود الرامية إلى إدخال الأفكار القائمة على الدين في الحياة السياسية، بينما حذر أكاديميون من أنه قد يُعرّف بصورة واسعة إلى درجة تجعل من الصعب الحفاظ على التمييز بين الإسلام كدين والحركات السياسية التي تعمل باسمه. ويكتسب هذا التمييز أهمية لأن المنظمات الإسلامية في أوروبا لا تشكل كتلة سياسية واحدة، كما أن الجماعات التي تستند إلى مرجعية إسلامية لا تتشارك بالضرورة الأهداف أو الأساليب أو العلاقة نفسها مع الدولة.

وطورت الحكومات الأوروبية مقاربات مختلفة تجاه المنظمات والشبكات التي تعتقد أنها تروج للتطرف أو تقوض المبادئ الدستورية. وتتراوح الأدوات المستخدمة بين التدقيق المالي وفرض القيود على الجمعيات، ومراقبة الخطاب المتطرف، وإعادة صياغة العلاقات بين المؤسسات الإسلامية والسلطات العامة وبالتالي، أصبحت فرنسا وألمانيا والنمسا نقاطًا مرجعية مختلفة في نقاش أوروبي أوسع حول مدى ما ينبغي للحكومات أن تذهب إليه في التعامل مع النشاط الإسلامي غير العنيف. وتختلف هذه المقاربات، بما يعكس اختلاف الأنظمة القانونية والتقاليد السياسية وتعريفات التهديد.

التحدي الأكبر

يتمثل التحدي الأساسي في معرفة ما إذا كانت الحكومات تستطيع استهداف المنظمات السياسية التي تستخدم الدين مصدرًا للتعبئة، من دون أن يمتد هذا التدقيق إلى الأنشطة الدينية أو المدنية المشروعة التي يمارسها المسلمون. كما بدأ هذا السؤال يلقى صدى خارج أوروبا. ففي كندا، تصاعد النقاش حول الشبكات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين وأنشطتها في المجتمع المدني والجامعات. وفي أغسطس، نشر معهد دراسة معاداة السامية والسياسة العالمية تقريرًا زعم أن شبكات مرتبطة بالإخوان تسعى إلى بناء نفوذ طويل الأمد عبر المجتمع المدني والتعليم العالي والسياسة الانتخابية والمؤسسات الفيدرالية. وتمثل هذه الاستنتاجات تقييمات صادرة عن منظمة بحثية، وليست دليلًا على أن الحكومة الكندية تبنت سياسة لحظر جماعة الإخوان المسلمين أو الشبكات التي حددها التقرير.

ويعكس النقاش الأوسع تحولًا في الطريقة التي تعمل بها بعض الحركات الإسلامية. فبدلًا من الاعتماد أساسًا على أساليب الدعوة الدينية التقليدية، وسعت بعض الجماعات حضورها من خلال المؤسسات الخيرية والمؤسسات التعليمية ومنظمات الحقوق ومجموعات المجتمع المدني والمشاركة في الانتخابات. وبالنسبة إلى الحكومات الأوروبية، يخلق ذلك بيئة أكثر تعقيدًا على مستوى السياسات. فقد تعمل جماعة في إطار القانون، بينما تروج لرؤية سياسية أو اجتماعية ترى السلطات أنها تتعارض مع جوانب من النظام الدستوري.

ولذلك تسعى بعض الحكومات إلى التركيز على السلوك والهياكل التنظيمية والتمويل والنشاط السياسي، بدلًا من التعامل مع الهوية الدينية نفسها باعتبارها المشكلة. ويكتسب هذا التمييز أهمية لأن الإجراءات الموجهة إلى السلوك والنشاط التنظيمي القابل للإثبات تخضع لاختبار قانوني مختلف عن الإجراءات القائمة على الانتماء الديني أو الأيديولوجي. وتوضح التجربة النمساوية مدى سرعة تحول القضية إلى مسألة دستورية. فحتى عندما تتفق القوى السياسية على ضرورة مكافحة التطرف أو حماية النظام الدستوري، يمكن أن تنشأ خلافات حول كيفية تعريف التطرف، ومدى إمكانية تدخل الدولة، والجهة التي ينبغي أن تحدد أن منظمة دينية أو مدنية قد تجاوزت الحد إلى نشاط سياسي غير مقبول.

وفي الوقت نفسه، حذرت المنظمات الإسلامية ومنظمات حقوق الإنسان من أن التعريف الواسع للإسلام السياسي قد يؤدي إلى طمس التمييز بين المشاركة السياسية المشروعة والتطرف، أو إلى إسناد مواقف إلى مجتمعات دينية بأكملها لا تتبناها. ويوضح النقاش حول الحجاب كيف يمكن لمثل هذه الخلافات أن تصل إلى المحاكم الدستورية عندما تتقاطع القيود المفروضة على الممارسة الدينية مع حرية الدين والمساواة ومبدأ حياد الدولة.

ولذلك، أصبح النقاش الأوروبي أقل ارتباطًا بسؤال بسيط حول ما إذا كان ينبغي للحكومات أن “تحظر الإسلام السياسي”، وأكثر ارتباطًا بكيفية تحديد الدول لحدود النشاط الديني والسياسي في الحياة العامة. ويشمل ذلك التدقيق في المنظمات والتمويل، والعلاقة بين المؤسسات الدينية والحكومات، ومدى إمكانية تنظيم الحركات السياسية التي تعمل عبر شبكات دينية من دون انتهاك الحقوق الدستورية. ومع انتقال الحكومات من مواجهة العنف إلى التدقيق في الأنشطة السياسية والمدنية، تزداد أهمية الدقة في التعريف القانوني، بما يضمن التمييز بين الدين والتنظيم السياسي، والمعارضة المشروعة والتطرف، والمشاركة العادية في المجتمع المدني والنفوذ السياسي المنظم.

https://eocr.eu/?p=14080

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا.

تابعنا على تويتر

مقالات ذات صلة

مكافحة الإرهاب ـ كيف يواجه اليوروبول التهديدات الإرهابية؟

مكافحة الإرهاب ـ كيف يواجه اليوروبول التهديدات الإرهابية؟

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا. مكافحة الإرهاب ـ كيف يواجه اليوروبول التهديدات الإرهابية؟ يمثل المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب (ECTC) أحد المحاور الرئيسية في جهود يوروبول لتطوير التعاون الأوروبي والدولي في مواجهة الإرهاب والتطرف العنيف. ومنذ تأسيسه عام 2016،...

مكافحة الإرهاب ـ هل تتحول ألمانيا إلى مركز جديد لأنشطة إيران؟

مكافحة الإرهاب ـ هل تتحول ألمانيا إلى مركز جديد لأنشطة إيران؟

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا. مكافحة الإرهاب ـ هل تتحول ألمانيا إلى مركز جديد لأنشطة إيران؟ تثير الأنشطة المرتبطة بإيران في ألمانيا مخاوف أمنية متزايدة، في ظل اتهامات لطهران بتوظيف شبكات تنظيمية لتوسيع نفوذها داخل المجتمع الألماني. ورغم حظر مؤسسات مرتبطة...

تصاعد التطرف اليميني في هولندا

تصاعد التطرف اليميني في هولندا

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا. تصاعد التطرف اليميني في هولندا تواجه هولندا تهديدات أمنية متباينة تشمل محاولات تطبيع أيديولوجيا التطرف اليميني وتصاعد الهجمات السيبرانية الصينية. وتحذر أجهزة الاستخبارات والأمن الهولندية من استغلال المجالات الاجتماعية والرقمية...