مكافحة الإرهاب ـ كيف يستغل تنظيم داعش حرب إيران لتوسيع نفوذه؟

أبريل 4, 2026 | دراسات

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

مكافحة الإرهاب ـ كيف يستغل تنظيم داعش حرب إيران لتوسيع نفوذه؟

في عدد الخامس من مارس من العام 2026 من نشرة النبأ، النشرة العالمية لتنظيم داعش، صوّر التنظيم الحرب الأمريكية الإسرائيلية الدائرة ضد إيران على أنها حرب “مباركة إلهيا” بين الكفار من كلا الجانبين. وهذا ليس بالأمر المفاجئ، إذ لطالما أدان داعش المسلمين الإيرانيين ووصفهم باتباعهم نسخة “معادية” من الإسلام، كما وصف الولايات المتحدة وإسرائيل بـ”الكفار”. لكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن تنظيم داعش يبدو مستعدا لاستغلال هذه اللحظة من عدم الاستقرار الإقليمي لصالحه. فعلى وجه التحديد، يبدو التنظيم حريصا على استقطاب أتباع جدد، وتحريض الهجمات، وتوطيد سيطرته على الأراضي وسط الفوضى الناجمة عن حرب إيران والأوضاع الأمنية في سوريا وأفغانستان.

تنظيم داعش واستهداف الغرب

ينظر تنظيم داعش إلى نفسه على أنه مدافع عن الإسلام، وقد هلّل أتباعه لمقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، حتى مع إدانتهم للضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران. ويرى داعش أن النتيجة المرجوة في الصراع الإيراني هي سقوط كلا الجانبين، لكنه لا ينتظر هذه النتيجة، بل يبادر إلى استغلالها بتوسيع نطاق رسائله الموجهة إلى أتباعه في الغرب. يدير تنظيم داعش عددا من الفروع الإقليمية تحت مظلة واحدة، وغالبا ما تتشارك هذه الفروع الموارد كالأفراد والتدريب والتمويل، مما يسهل حركة الأفراد والخبرات عبر الحدود. ويشمل هذا التنظيم عمليات التجنيد والاستقطاب، التي تعد منصة النبأ إحدى نتاجاتها. ومن خلال الإنترنت، بما في ذلك مواقع التواصل الاجتماعي الشهيرة مثل تيك توك، ينشر التنظيم رسائل تستهدف الشباب الغربي سعيا منه لكسب تأييد خارج منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

على وجه الخصوص، أظهر تنظيم داعش خراسان الفرع الأفغاني للتنظيم، براعته في الوصول إلى الشباب عبر الإنترنت، بما في ذلك بناء شبكة متنامية من المراهقين في أوروبا، شارك بعضهم في مخطط عام 2024 لتنفيذ هجمات متزامنة في عدة مدن في أوروبا الوسطى. وإذا ما انخرطت دولة أوروبية، على سبيل المثال، في الصراع ضد إيران، فقد تستغل خلية أو فرد متأثر بداعش ذلك ذريعة لتنفيذ هجوم هناك. مما يثير القلق، وقوع هجومين في الولايات المتحدة مستوحيين من تنظيم داعش منذ بدء حرب إيران. ورغم أن التحقيقات في كلا الهجومين لا تزال جارية، تشير التفاصيل الأولية إلى أن الشابين اللذين نفذا أحد الهجومين استخدما أدلة داعش الإلكترونية لصنع عبوات ناسفة يدوية الصنع. ووفقا للمحققين، فإن المراهقين اللذين نفذا هجوما أمام منزل عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، في السابع من مارس 2026، كانا قد اطلعا على مواد داعش الإلكترونية قبل الهجوم.

أ شار بعض المحللين إلى أنهما كانا على اتصال بقيادة داعش في الخارج، وتلقيا منها التوجيه. وفي الهجوم الثاني، قتل أحد مؤيدي داعش المعروفين ضابطا عسكريا في جامعة أولد دومينيون بولاية فرجينيا. وكان المهاجم قد أدين سابقا بمحاوفي لة تقديم دعم مادي لداعش. ويشير توقيت هذه الهجمات إلى أن مؤيدي داعش ربما يسعون إلى استغلال حالة الانشغال العالمي التي أحدثتها الحرب، مستهدفين مواقع وأحداثا يعتبرونها “كفارية”.

توسيع النفوذ في جنوب آسيا

يعد تنظيم داعش خراسان ربما أكثر فروع تنظيم داعش كفاءة، وقد أثبت قدرته على شن هجمات وتحريضها بعيدا عن أفغانستان خلال السنوات الثلاث الماضية. وتزيد مجموعة من العوامل، إلى جانب الانشغال العالمي الناجم عن حرب إيران، من احتمالية شن داعش خراسان هجوما على المصالح الغربية على المدى المتوسط. لكن تنظيم داعش خراسان لا يقتصر تركيزه على جهوده الخارجية فحسب. فإلى جانب حرب إيران، يستفيد التنظيم من الأزمة المتصاعدة بين أفغانستان وباكستان. ففي أواخر فبراير 2026، صعدت أفغانستان وباكستان الصراع المتصاعد بينهما منذ فترة طويلة، حيث اتهمت باكستان أفغانستان بإيواء حركة طالبان الباكستانية. وقد تركزت معظم المعارك في المناطق الحدودية الخارجة عن سيطرة الحكومة بين أفغانستان والمناطق القبلية في شمال باكستان. واجه تنظيم داعش خراسان صعوبة في السيطرة على الأراضي في هذه المنطقة بسبب ضغوط حركة طالبان الأفغانية. ولكن مع انشغال طالبان بالقتال ضد باكستان، قد يوفر هذا الصراع لداعش خراسان فرصة سانحة للاستيلاء على أراض في شمال أفغانستان والسيطرة عليها. ومن شأن تأمين هذه الأراضي أن يمنح التنظيم مساحة للتخطيط لهجمات أخرى ونشر رسائله.

إعادة التمركز في سوريا

استغل تنظيم داعش تدهور الوضع الأمني للسيطرة على مناطق في سوريا. فمنذ العام 2025، شهدت هجمات داعش داخل سوريا تصاعدا ملحوظا، وقد أعلن التنظيم مؤخرا “الجهاد” ضد الرئيس المؤقت أحمد الشرع. ويرى داعش أن الشرع أداه لدى الولايات المتحدة، وأنه غير ملتزم بما فيه الكفاية. ويشير التصاعد الأخير في هجمات داعش التي تنطلق من الصحراء السورية إلى احتمال إعادة تنظيم صفوفه في تلك المنطقة، حيث تكافح الحكومة السورية للحفاظ على الأمن والسيطرة. إضافة إلى ازدياد حرية الحركة في سوريا، يستفيد تنظيم داعش كذلك من تدفق المقاتلين الذين فروا مؤخرا من معسكرات الاعتقال في شمال سوريا. في خلال العام 2026، تعرضت قوات سوريا الديمقراطية لضغوط من دمشق للتخلي عن السيطرة على الأراضي التي كانت تحتلها لصالح الحكومة المركزية. وقد قامت قسد، التي قاتلت إلى جانب الولايات المتحدة في الحرب ضد داعش، بحراسة معسكر الهول لسنوات، والذي كان يضم عشرات الآلاف من مقاتلي داعش وعائلاتهم.

عندما انسحبت قسد في يناير 2026 في مواجهة هجوم شنته الحكومة السورية، تركت المعسكرات دون حراسة، مما أدى إلى عملية هروب جماعي. وتقدر وكالات الاستخبارات الأمريكية أن ما يصل إلى 20 ألف شخص، بمن فيهم أفراد عائلات مقاتلي داعش والجهات التابعة للتنظيم، ما زالوا طلقاء. ومن المتوقع أن يعزز هؤلاء الأفراد المرتبطون بداعش، والذين يعد الكثير منهم من قدامى المقاتلين، من قوة داعش البشرية ذات الخبرة. وتشير التقارير الإقليمية إلى أن بعض هؤلاء الأفراد على الأقل يحملون الجنسية الأفغانية. إذا عاد هؤلاء الأفراد إلى أفغانستان، فبإمكان تنظيم داعش خراسان الاستفادة من خبراتهم القتالية في العمليات أو التدريب.

تتصدر حرب إيران عناوين الأخبار. ومع ذلك، من الأهمية بمكان مواصلة مراقبة تنظيم داعش. فقد أظهر التنظيم بالفعل قدرته على استغلال الصراعات في أفغانستان وسوريا لتوسيع نفوذه. وربما يكون قد ضم مؤخرا عددا كبيرا من السجناء السابقين. كما أظهر قدرته على تنفيذ هجمات مرتبطة بتنظيم داعش أو مستوحاة منه في الغرب. ولم تختف أي من هذه التهديدات مع اندلاع الحرب مع إيران.

النتائج

تشير المعطيات إلى أن تنظيم داعش سيستمر في استغلال حالة الفوضى الإقليمية الناجمة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران لتعزيز نفوذه واستقطاب أتباع جدد، خصوصا في أوروبا والولايات المتحدة. يظهر التنظيم، ولا سيما فرعه الأفغاني “داعش خراسان”، قدرة كبيرة على استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي للتجنيد والتحريض، مع استهداف الشباب الغربي، بما في ذلك بناء شبكات متنامية من المراهقين للمشاركة في هجمات متزامنة.

على الصعيد الإقليمي، يمكن لداعش خراسان استغلال الصراع الأفغاني الباكستاني للحصول على أراض في شمال أفغانستان، مما يمنحه قاعدة لتنظيم العمليات ونشر الرسائل الدعائية. وفي سوريا، تستفيد خلايا داعش من ضعف الأمن وانسحاب قوات سوريا الديمقراطية من معسكرات الاعتقال، مما يتيح للتنظيم استعادة السيطرة على مناطق واسعة وإعادة بناء قدراته البشرية، خاصة من خلال قدامى المقاتلين وعائلاتهم، الذين يشكلون دعامة للعمليات المستقبلية والتدريب.

من المحتمل أن يظل خطر داعش على المصالح الغربية حاضرا، إذ يمكن للتنظيم تنفيذ هجمات مستوحاة من داعش أو بالتنسيق مع خلاياه في الخارج، مستغلا أي تدخل أوروبي أو أمريكي في النزاع الإيراني. كما أن التنظيم قادر على توسيع نفوذه داخل مناطق النزاع في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، بما يعزز قدراته الاستراتيجية على الأرض ويعيد تشكيل التهديدات الأمنية في المنطقة.

رغم أن الأخبار العالمية تتصدرها حرب إيران، فإن قراءة استشرافية المستقبل تشير إلى أن تنظيم داعش سيبقى لاعبا فاعلا في الساحة الإقليمية والدولية، مستغلا الأزمات السياسية والعسكرية لتوسيع نفوذه، وتنمية قدراته التنظيمية والقتالية، مع استمرار تهديده للغرب والأمن الدولي على المدى المتوسط. أي تجاهل لهذه التطورات قد يؤدي إلى مفاجآت أمنية كبيرة.

https://eocr.eu/?p=13223

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

تابعنا على تويتر

مقالات ذات صلة

مكافحة الإرهاب في ألمانيا ـ الجريمة المنظمة، تحولات في مقاربة الأمن الداخلي

مكافحة الإرهاب في ألمانيا ـ الجريمة المنظمة، تحولات في مقاربة الأمن الداخلي

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا مكافحة الإرهاب في ألمانيا ـ الجريمة المنظمة، تحولات في مقاربة الأمن الداخلي هل سيصبح الوضع أكثر أمانا في هذا البلد إذا تم ترحيل المزيد من المهاجرين غير النظاميين؟. يؤكد المستشار الالماني فريدريش ميرز ذلك عندما يتحدث عن المهاجرين...

كيف تؤثر شبكات التجنيد الرقمي على مكافحة الإرهاب في أوروبا؟

كيف تؤثر شبكات التجنيد الرقمي على مكافحة الإرهاب في أوروبا؟

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا كيف تؤثر شبكات التجنيد الرقمي على مكافحة الإرهاب في أوروبا؟ يمثل الإرهاب تهديدا خطيرا لأمن مواطني أوروبا. وقد شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعا في وتيرة وحجم التهديدات الإرهابية داخل الاتحاد الأوروبي. ويتجلى تزايد تعقيد عمل السلطات...

مكافحة الإرهاب ـ هل أصبح التطرف اليميني تهديدا مباشرا للديمقراطية الألمانية؟

مكافحة الإرهاب ـ هل أصبح التطرف اليميني تهديدا مباشرا للديمقراطية الألمانية؟

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا مكافحة الإرهاب ـ هل أصبح التطرف اليميني تهديدا مباشرا للديمقراطية الألمانية؟ استُهدفت عدة أحزاب سياسية بهجمات خلال عطلة عيد الفصح. ويجري جهاز أمن الدولة تحقيقا في الأمر للاشتباه في تورط متطرفين يمينيين في أعمال عنف. فخلال عطلة...