مكافحة الإرهاب ـ كيف تنجح خلايا “داعش” في جمع الأموال من داخل ألمانيا؟
ct polizie

نوفمبر 7, 2025 | دراسات

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

مكافحة الإرهاب ـ كيف تنجح خلايا “داعش” في جمع الأموال من داخل ألمانيا؟

تتلقى منظمات متطرفة مثل تنظيم “داعش” أموالًا من داخل ألمانيا بطرق يصعب تعقّبها، إذ يستخدم التنظيم وسائل التواصل الاجتماعي لجمع التبرعات تحت غطاء إنساني أو ديني. ومع أن السلطات الألمانية تشدد الرقابة على التحويلات المالية المشبوهة، فإن إثبات تمويل الإرهاب قانونيًا على المانحين يظلّ أمرًا بالغ التعقيد كما تكشف التحقيقات الأخيرة. في أحد منشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي رصدها المحققون، يظهر نداء من متطرفين في سوريا يقول: “قدّم ثروتك للجهاد”. يهدف هذا النداء إلى جمع الأموال من مؤيدين في ألمانيا ودول أوروبية أخرى، لتمويل شراء أسلحة وعتاد. ويورد المنشور مثالًا واضحًا على ذلك: بندقية “AK-74” تُكلف ألف يورو، والخزانة الواحدة 50 يورو فقط، في محاولة لجعل الهدف المالي في متناول المتبرعين.

تقول “كلوي”، وهي عضوة سابقة في تنظيم “داعش” عادت إلى أوروبا بعد سنوات من التجنيد عبر الإنترنت: “كانت نساء التنظيم في سوريا يتولين جمع الأموال للعمليات الإرهابية، ويقمن بتجنيد نساء أخريات عبر الإنترنت للمساعدة في جمع التبرعات”. وتضيف: “إنهنّ متحمسات جدًا لما يفعلنه، ويملكن قناعة أيديولوجية عميقة، وأعتقد أنهنّ خطيرات للغاية”. شهادتها هذه تسلط الضوء على بعد غير تقليدي في تمويل الإرهاب، إذ لم تعد العملية حكرًا على المقاتلين أو الوسطاء الذكور، بل أصبحت للنساء أدوار مركزية في إدارة شبكات التمويل الإلكترونية.

داعشية من ميونخ في قلب الشبكة

تشير التحقيقات إلى أن نساء من تنظيم “داعش” نجحن في السنوات الأخيرة في الهروب من المخيمات الكردية شمال سوريا بمساعدة مالية من الخارج. وتُعتبر امرأة من ميونخ تُدعى “إليف أ.” شخصية محورية في هذا الملف بحسب المحققين الألمان. إذ يُعتقد أنها سافرت إلى سوريا عام 2015 عندما كانت في السادسة عشرة من عمرها، ثم لعبت دورًا أساسيًا في تنسيق عمليات جمع التبرعات لصالح نساء التنظيم هناك. قد كشفت التحقيقات أن شبكات دعمها في ألمانيا تمكّنت من جمع ما لا يقل عن 40 ألف يورو عبر تبرعات صغيرة متكررة من مؤيدين متعاطفين مع التنظيم. وأدانت المحاكم الألمانية بالفعل عددًا من الأشخاص الذين شاركوا في جمع هذه الأموال نيابة عنها. ومع أن “إليف أ.” لا تزال في سوريا، إلا أن نشاطها الافتراضي مستمر وفق تقديرات المحققين، خصوصًا عبر حسابات مشفّرة في تطبيقات تواصل مغلقة يصعب تتبّعها.

صعوبات قانونية أمام المحاكم

تُبرز هذه القضايا حجم التحدي القانوني الذي تواجهه السلطات الألمانية في التعامل مع جرائم تمويل الإرهاب. فمحاكمة من يقدّم المال إلى منظمات إرهابية ليست بالأمر السهل، كما يُظهر مثال 7 أشخاص يُشتبه في دعمهم لتنظيم “داعش”. ووفقًا للنيابة العامة الفيدرالية، يُعتقد أن هؤلاء أرسلوا أموالًا للتنظيم عبر وسطاء خارجيين، لكن لم يُوجّه إليهم اتهام مباشر بـ”تمويل الإرهاب” أمام المحكمة العليا في دوسلدورف. السبب، كما يوضحه خبراء القانون، هو أن النص القانوني الألماني يشترط لإثبات تهمة تمويل الإرهاب وجود دليل مادي على أن التبرع استُخدم فعلًا في جريمة محددة. يقول خبير الإرهاب “هانس-ياكوب شيندلر” من مشروع “مكافحة التطرف”: “إن هذا الشرط يجعل عمل المحققين في ألمانيا بالغ الصعوبة. يجب أن تُثبت عمليًا أن هذا اليورو استُخدم لشراء كلاشينكوف أو متفجرات أو للتحضير لهجوم، وهذا أمر شبه مستحيل”.

ويضيف: “هذا مستوى من الغباء لا يصل إليه سوى قلة من ممولي الإرهاب، فالمتبرع لا يدوّن في الحوالة أن المبلغ مخصص لشراء سلاح”. ولهذا السبب، لجأ الادعاء العام إلى تهمة بديلة هي “دعم منظمة إرهابية”، وهي تهمة لا تتطلب إثبات الهدف النهائي من استخدام الأموال. لكن هذه الصيغة القانونية بدورها ليست خالية من العقبات، إذ يجب على المحققين إثبات أن الأموال وصلت بالفعل إلى التنظيم الإرهابي، وهو ما يصعب التحقق منه في ظل استخدام شبكات مالية غير رسمية أو مشفّرة.

مشروع قانون جديد

إزاء هذه الثغرات القانونية، تخطط وزارة العدل الألمانية لتجريم “محاولة” تمويل الإرهاب حتى وإن لم تُنفّذ فعليًا. وقد نشرت الوزارة في يوليو 2025 مشروع قانون بهذا الشأن يهدف إلى سد الفجوة القائمة بين النية والفعل، لكن لا يزال موعد تطبيقه وصيغته النهائية غير واضحين. ويقترح الخبير “شيندلر” إلغاء التمييز بين “دعم الإرهاب” و”تمويل الإرهاب” كليًا، مستشهدًا بالنموذج الأمريكي: “القانون الأمريكي لا يهتم بحجم التبرع ولا بطريقة استخدامه. حتى لو أرسلت قطعة علكة إلى منظمة مصنّفة إرهابية، فستُعتبر ممولًا للإرهاب، والعقوبة تبدأ من عشر سنوات سجنًا”. في قضية دوسلدورف نفسها، أُدين ثلاثة من المتهمين في النهاية بتهمة دعم منظمة إرهابية، بينما اعتُبر الأربعة الآخرون متعاطفين من دون إثبات صلة مباشرة بالتمويل. ومع ذلك، أكّد القضاة أن جميعهم مؤيدون لأهداف التنظيم ويبررون أعماله، ما يطرح سؤالًا أوسع حول الحدود القانونية بين التعاطف الفكري والمشاركة الفعلية في الجرائم الإرهابية.

طرق خفية لنقل الأموال

يبقى السؤال الجوهري: كيف تصل الأموال فعليًا إلى الإرهابيين؟ لا تُستخدم التحويلات البنكية التقليدية عادة، إذ تخضع لرقابة صارمة من المصارف والهيئات المالية. لذلك يعتمد الممولون على نظام “الحوالة”، وهو شبكة تحويلات مالية غير رسمية تعمل خارج النظام المصرفي. يقوم شخص في ألمانيا بتسليم المبلغ إلى وسيط محلي، ويتولى وسيط آخر في سوريا أو تركيا تسليمه إلى المستفيد المطلوب، من دون أي سجلات مصرفية. ويقول الخبراء إن هذا النظام، رغم قدمه، ما زال فعالًا جدًا بفضل الثقة المجتمعية والروابط العائلية أو الدينية التي تربط أطرافه. كما أن المبالغ الصغيرة المتفرقة التي يجري تحويلها تجنّب أصحابها لفت الانتباه، مما يصعّب مهمة وحدات مكافحة غسل الأموال في تتبّعها.

العملات الرقمية: التحدي الجديد

دخلت العملات المشفرة على خط تمويل الإرهاب لتضيف طبقة جديدة من التعقيد. ويؤكد الخبير الأمريكي في العملات الرقمية “جوناثان ليفين” من شركة “تشين أناليسيس”: “أن التنظيمات المتطرفة باتت تستخدم العملات المشفرة بكثافة لتمويل عملياتها أو تهريب الأموال من مناطق النزاع”. ووفقًا لتقارير الشركة، تم جمع عدة ملايين من الدولارات بهذه الطريقة عبر محافظ إلكترونية يصعب تتبّعها، رغم محاولات المنصات الكبرى تشديد الرقابة. وتشير بعض التحقيقات إلى أن الممولين يستخدمون تبرعات عبر رموز رقمية أو تطبيقات مجهولة المصدر تُخفي هوية المرسل والمتلقي. هذه التقنيات تجعل التمويل أكثر سرية، وتحدّ من قدرة الأجهزة الأمنية الأوروبية على التدخل في الوقت المناسب.

تحديات مستمرة

في المحصلة، تُظهر هذه القضايا أن ألمانيا، رغم جهودها القانونية والأمنية، ما زالت تواجه معضلة معقدة في مكافحة تمويل الإرهاب. فالتنظيمات المتطرفة تتكيّف بسرعة مع القوانين والتكنولوجيا، وتحوّل حتى القنوات الخيرية أو الإنسانية إلى أدوات لجمع المال. وبينما تحاول برلين سدّ الثغرات التشريعية وتطوير أدوات المراقبة، تظلّ معركة التمويل الخفي أحد أخطر التحديات أمام الأمن القومي الألماني والأوروبي في السنوات المقبلة.

https://eocr.eu/?p=12482

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

تابعنا على تويتر

مقالات ذات صلة

مكافحة الإرهاب ـ المخاطر الأمنية قائمة في أسواق عيد الميلاد الألمانية

مكافحة الإرهاب ـ المخاطر الأمنية قائمة في أسواق عيد الميلاد الألمانية

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا مكافحة الإرهاب ـ المخاطر الأمنية قائمة في أسواق عيد الميلاد الألمانية أُلقي القبض على خمسة رجال للاشتباه بتورطهم في التخطيط لمهاجمة سوق عيد الميلاد قرب دينغولفينغ في بافاريا السفلى. صدرت مذكرات توقيف بحق أربعة منهم، بينما وُضع...

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل دعاية وتنظيم داعش عالميًا؟

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل دعاية وتنظيم داعش عالميًا؟

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل دعاية وتنظيم داعش عالميًا؟ يسعى تنظيم داعش مع تزايد اندماج الذكاء الاصطناعي إلى استغلال التقنيات والتطبيقات الناشئة للذكاء الاصطناعي من أجل تنفيذ أجنداته الخاصة. والذي يمكّنها من التجنيد والحفاظ...

آليات تعزيز مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في أوروبا، الفرص والتحديات

آليات تعزيز مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في أوروبا، الفرص والتحديات

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا آليات تعزيز مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في أوروبا، الفرص والتحديات نشرت وكالة يوروبول في ديسمبر 2025 تقريرها الجديد بعنوان "المستقبل غير المأهول: تأثير الروبوتات والأنظمة غير المأهولة على تطبيق القانون". وقد أعدّ التقرير...