اختر صفحة
مكافحة الإرهاب ـ فشل أوروبي في الساحل الإفريقي
مكافحة الإرهاب

يوليو 2, 2022 | دراسات

فشل فرنسي ـ أوروبي في الساحل وقوة «تاكوبا» انسحبت… و«برخان» تلحق بها

2900 قتيل منذ بداية العام في مالي بينهم 1600 مدني

الشرق الأوسط ـ بعد تسع سنوات من الوجود العسكري المكثف، تتهيأ القوات الفرنسية للخروج من مالي، المستعمرة السابقة، على خلفية نزاع مستحكم مع السلطات المنبثقة من انقلابين عسكريين في عامي 2020 و2021. ففي بداية عام 2013، في عهد الرئيس الأسبق فرنسوا هولاند، أرسلت باريس قواتها لإنقاذ العاصمة باماكو من القوات الإسلاموية التي كانت تتوجه نحوها بعد سيطرتها على مناطق بعيدة من شمال ووسط البلاد. وفي العام الذي بعده، عمدت وزارة الدفاع الفرنسية إلى إطلاق عملية «برخان» التي كانت مهمتها مساعدة القوات المالية في احتواء وملاحقة المجموعات الإرهابية التابعة إما لـ«القاعدة في بلاد المغرب» أو «داعش»، إضافة إلى مجموعات محلية أخرى. وبالتوازي، دعت باريس لإنشاء قوة دولية دعيت «مينوسما» لحفظ السلام التي تشكلت غالبيتها من وحدات أفريقية بتمويل دولي وأوروبي. كذلك، كانت باريس الدافعة لإنشاء قوة مشتركة لبلدان الساحل تسمى «G5»، وتتشكل من كل بلدان الساحل. وفي عام 2020، سعت وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي إلى إطلاق قوة كوماندوس أوروبية سميت «تاكوبا» (أي السيف)، بهدف مواكبة القوات المالية وتأطيرها، وبالإضافة إلى كل ما سبق وبحثاً عن أفضل السبل لمساعدة القوات المالية المسلحة، عمدت عدة دول أوروبية إلى إرسال مدربين لتأهيل القوات المالية.

بيد أن كل هذه الجهود الدولية لم تكن كافية للقضاء على التنظيمات المتطرفة التي تمددت عملياتها إلى بلدان الجوار وتركزت في الأشهر الأخيرة على المثلث الحدودي (مالي – النيجر – بوركينا فاسو). وكاد الحضور الغربي يستمر لولا قيام انقلابين عسكريين في باماكو، الأول في عام 2020 والثاني في عام 2021. ومنذ الانقلاب الأول، بدأت العلاقة تسوء بين باماكو وباريس وامتداداً مع الأطراف الأوروبية الأخرى، إضافة إلى مجموعة غرب أفريقيا الاقتصادية التي عمدت إلى اتخاذ عقوبات بحق السلطات المنبثقة عن الانقلابين، لأنها حنثت بوعد الإسراع في إعادة السلطة إلى المدنيين. لكن الشعرة التي قصمت ظهر البعير تمثلت في قيام السلطات المالية بإبرام اتفاق مع مجموعة «فاغنر» الميليشياوية الروسية، رداً على ما اعتبرته تخلي فرنسا عنها باعتبار، باريس أعلنت ربيع العام الماضي، بلسان رئيسها أنها ستعمد إلى إعادة تحديد أهداف وجودها العسكري في مالي، وأنها ستعيد انتشارها للتركيز فقط على ملاحقة المتطرفين. إلا أن الإعلان عن وصول «فاغنر» أثار جدلاً حامياً بين البلدين باعتبار أن باريس ومعها شركاؤها الأوروبيون في قوة الكوماندوس «تاكوبا»، أكدوا بشكل استباقي ولاحقاً، أنهم لا يستطيعون البقاء في مالي إلى جانب «فاغنر». لكن سلطات باماكو صمت أذنيها ورفضت الإذعان والتخلي عن اتفاقها مع المجموعة الروسية التي تعد الذراع الروسية الضاربة في أفريقيا. ولم تتردد هذه السلطات في الدعوة لقيام مظاهرات معادية لفرنسا التي اتهمت باستمرار عقليتها الاستعمارية بعيداً عن الدفاع عن مصالح البلاد.

جاءت كل هذه التطورات لتعكس فشلاً فرنسياً في مالي، وفي بلدان أخرى من الساحل الذي يضم، إلى جانبها، موريتانيا وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد. وفي الأخيرة، نحت الأحداث منحى خطيراً عندما سعت باماكو إلى التضييق على تحليق الطائرات العسكرية الفرنسية في أجوائها، علماً بأن اتفاقاً دفاعياً يربط البلدين. كذلك، طلبت السلطات المالية من كوبنهاغن سحب قوة كوماندوس أرسلتها للانضمام إلى «تاكوبا»، بحجة أنها لم تنَلْ موافقة السلطات. وجاءت ردة الفعل الفرنسية – الأوروبية عنيفة، إذ أعلنت باريس عن سحب قوة «برخان» وإعادة انتشار قواتها بمنطقة الساحل وغرب أفريقيا. والأسبوع الماضي، أعلنت رئاسة الأركان الفرنسية أن الجيش الفرنسي سيغادر رسمياً قاعدة ميناكا العسكرية في شمال شرقي مالي الاثنين، لتسليمها للقوات المسلحة المالية، في المرحلة ما قبل الأخيرة من انسحاب قوة «برخان» المناهضة للمتطرفين من البلاد. كذلك أكد المتحدث باسم هيئة الأركان العامة الجنرال باسكال ياني خلال مؤتمر صحافي، أن الجنود الفرنسيين سيغادرون مالي نهائياً «في نهاية الصيف» مع نقل معقلهم الرئيسي في غاو إلى القوات المسلحة المالية.

وكان واضحاً منذ البداية أن قرار باريس سحب قوة «برخان» سينعكس على وجود القوات الأخرى في مالي، خصوصاً قوة «تاكوبا» المتشكلة من تسع جنسيات أوروبية ومن 900 رجل نصفهم تقريباً من الفرنسيين. وما كان متوقعاً تم تأكيده أمس، إذ أعلن الجنرال باسكال ياني أمس، بمناسبة مؤتمر صحافي، أن «إعادة تنظيم انتشار القوات العسكرية الفرنسية في منطقة الساحل التي تقررت بتعاون وثيق مع الشركاء الأوروبيين والأميركيين الشماليين أفضت إلى إنهاء عمليات قوة تاكوبا في مالي بدءاً من 30 يونيو (حزيران)». لكن الجنرال المذكور لم يحدد وجهة قوة الكوماندوس أي تعيين البلد أو البلدان التي انسحبت إليها، علماً بأن السويد وهي إحدى أوائل الدول التي انضمت إلى «تاكوبا» قررت إعادة وحداتها إلى بلادها. وللتقليل من الخيبة الفرنسية – الأوروبية، لم يتردد المسؤول في الإشادة بما حققته «برخان» و«تاكوبا» من إنجازات مشتركة «في ظروف أمنية معقّدة»، مؤكداً أن «الدروس» من هذه التجربة على الأرض ستدوم.

صحيح أن «برخان» حققت إنجازات قيمة أبرزها القضاء على عدد من قادة تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، إلا أن الوضع الأمني العام في مالي زاد تدهوراً في العامين الأخيرين. ويكفي التذكير بالمجزرة التي حصلت منتصف الشهر الماضي بمنطقة «بانكاس»، وسط البلاد، للتدليل على خطورة الوضع وتفلته من أيدي السلطات. فالمجزرة المذكورة أدت إلى مقتل 132 مدنياً وجرح العشرات. ووفق الأرقام المتوافرة، فإن 2900 قتلوا منذ بداية العام الحالي بينهم 1600 مدني.هكذا، يسدل الستار على الحضور العسكري المزدوج (الفرنسي – والأوروبي)، من غير أن تكون مالي ومعها جوارها الأفريقي قد أخرجت من دائرة الخطر. والحال أن ما يحصل في هذا البلد ينعكس بطبيعة الحال على بلدان الجوار، أكان في منطقة الساحل أو في منطقة شمال أفريقيا، وكل ذلك مصدر خوف لأوروبا خصوصاً جنوبها. إلى ذلك، سعت إسبانيا لدفع «الأطلسي» الذي يولي كامل جهوده للحرب الروسية على أوكرانيا إلى الاهتمام بالخطر الإرهابي المقبل من الجنوب المتوسطي والأفريقي.

رابط مختصر.. https://eocr.eu/?p=8851

تابعنا على تويتر

مقالات ذات صلة

محاربة التطرف ـ تنظيم قوانين النشر والمحتوى

محاربة التطرف ـ تنظيم قوانين النشر والمحتوى

تقارير عن إغلاق مكاتب تويتر في بروكسل ومخاوف من رفض ماسك التقيّد بالقوانين الأوروبية يورونيوز ـ أشارت إعلامية إلى أن شركة تويتر أغلقت بالكامل مكاتبها في بروكسل، العاصمة البلجيكية، ما أثار مخاوف حول ما إذا كانت المنصة ستتقيّد بالقوانين الأوروبية المتعلقة بالمحتوى...

محاربة التطرف ـ واقع التمييز والعنصرية في بريطانيا

محاربة التطرف ـ واقع التمييز والعنصرية في بريطانيا

نصف الشباب البريطانيين يعتبرون أن بلادهم قامت على العنصرية يعيد الجيل الشاب النظر في إرث بلادهم ويطعنون في أسسها التاريخية اندبندنت عربية ـ أظهر بحث أن نصف الشباب البريطانيين تقريباً يعتقدون بأن بلادهم قامت على العنصرية ولا تزال "عنصرية بنيوياً" إلى يومنا هذا، وفق...

المقاتلون الأجانب في بريطانيا ـ الإجراءت والتدابير

المقاتلون الأجانب في بريطانيا ـ الإجراءت والتدابير

بريطانيا تعيد النظر في تجريد "عروس داعش" من الجنسية انضمت إلى التنظيم المتطرف عام 2015 ومحاموها يقولون إنها "ضحية تهريب بشر" اندبندنت عربية - يعيد القضاء في المملكة المتحدة الاثنين، 21 نوفمبر (تشرين الثاني)، النظر في قضية امرأة تم إسقاط جنسيتها البريطانية بعد أن انضمت...

Share This