المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا
مكافحة الإرهاب ـ التحديات الأمنية في شرق أفريقيا، دور الولايات المتحدة والشركاء المحليين.
كثفت الولايات المتحدة غاراتها الجوية في الصومال خلال يناير 2025، مستهدفة حركة الشباب والفرع المحلي لتنظيم داعش، في إطار جهود متواصلة لمكافحة الجماعات المسلحة والجهادية في شرق أفريقيا، وفقًا لما أفادت به القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم). ففي بيان صدر في 12 يناير 2025، أكدت القيادة الأمريكية في أفريقيا أن القوات الأمريكية، بالتعاون مع الحكومة الفيدرالية الصومالية، نفذت سلسلة من الغارات الجوية ضد مقاتلي حركة الشباب في مناطق متعددة، بهدف تقويض قدراتهم على تهديد المصالح الأمريكية والأمن الإقليمي. وأوضحت أفريكوم أن العملية كانت جزءًا من الجهود المستمرة “لتقويض قدرة الجماعة على تهديد الوطن الأمريكي والقوات الأمريكية والأمريكيين في الخارج”.
ما الذي استهدفته الغارات الجوية؟
تشمل هذه الحملة الجوية الموجة الأخيرة من الغارات الجوية التي استهدفت تنظيم داعش في الصومال، حيث أفادت تقارير بأن ضربات جوية وقعت في 9 و11 يناير 2025 في شمال الصومال، بما في ذلك منطقة جبال غوليس في بونتلاند، جنوب شرق بوصاصو. كما أُفيد عن غارات أخرى استهدفت حركة الشباب في 8 يناير 2025، بما في ذلك غارة جوية على محيط بور هيبو، على بعد حوالي 154 كيلومترًا شمال غرب مقديشو. وأشارت القيادة الأمريكية إلى أن الضربات بين 3 و4 يناير 2025 تم تنفيذها بالتنسيق مع السلطات الصومالية لضمان تحقيق أقصى قدر من الفاعلية وتقليل المخاطر على المدنيين.
أكدت أفريكوم أن هذه الضربات تأتي في إطار حملة أوسع نطاقًا نفذت بالتعاون مع شركاء صوماليين محليين، مع الحفاظ على سرية التفاصيل العسكرية الأساسية. ورغم إعلانها عن هذه العمليات، لم تُكشف أي أرقام رسمية تتعلق بالخسائر البشرية، وهو ما يعكس سياسة تقليدية تتبعها القيادة الأمريكية في أفريقيا لتجنب إثارة التوترات المحلية أو كشف القدرات العملياتية الأمريكية.
تأتي هذه الموجة الأخيرة من الغارات الجوية في سياق تكثيف أوسع للعمليات الأمريكية في الصومال منذ فبراير 2025، حين نفذت إدارة الرئيس دونالد ترامب أول ضربة جوية لها في البلاد بعد استعادته منصبه في 2024. وبحسب البيانات الرسمية، فقد نفذت الولايات المتحدة 38 غارة جوية ضد حركة الشباب وتنظيم داعش بين الأول من فبراير والعاشر من يونيو 2025، مع تنفيذ ضربات إضافية منذ العاشر من يونيو 2025، ما يعكس تصاعد وتيرة العمليات في أعقاب عودة ترامب إلى البيت الأبيض.
استجابة للتهديد المتزايد الذي تمثله الجماعات الإرهابية في شرق أفريقيا
أوضح تقرير لمركز مكافحة الإرهاب الأمريكي أن هذا التصعيد جاء استجابة للتهديد المتزايد الذي تمثله الجماعات المسلحة في شرق أفريقيا. وذكر التقرير أن قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا، الجنرال مايكل إي. لانغلي، صرح أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ في أبريل 2025 بأن توسع جماعات داعش والقاعدة في المنطقة قد يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي. وأكد الجنرال لانغلي: “نحن ندرك تمامًا أنه إذا واصلت هذه الجماعات التوسع، فإنها ستشكل تهديدًا مباشرًا للوطن الأمريكي”، مضيفًا أن أفريكوم ستعمل بشكل تعاوني مع مجتمع الاستخبارات والشركاء من الوكالات الأخرى للحفاظ على انخفاض المخاطر التي تهدد المصالح الأمريكية في المنطقة.
تجدر الإشارة إلى أن حركة الشباب، وهي جماعة مرتبطة بتنظيم القاعدة، تقاتل الحكومة الصومالية منذ عام 2007، ولا تزال تسيطر على مناطق واسعة في جنوب ووسط البلاد. في المقابل، يتركز تنظيم داعش الصومالي في شمال شرق بونتلاند الجبلي، حيث يُعرف عنه التنافس مع حركة الشباب على النفوذ والسيطرة المحلية. ويعتبر الصراع في الصومال مع الجماعات المسلحة أحد أكثر النزاعات دموية في القارة الأفريقية، حيث أشار المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية إلى أن الصراع أسفر عن مقتل نحو 7289 شخصًا حتى عام 2024.
تسعى الولايات المتحدة، من خلال هذه العمليات الجوية، إلى دعم الحكومة الفيدرالية الصومالية وتعزيز قدرات القوات المحلية على مواجهة التهديدات الإرهابية. كما تهدف الضربات إلى تقليل القدرة العملياتية للجماعات المسلحة على شن هجمات ضد المدنيين أو ضد المصالح الغربية في المنطقة. وتعتبر هذه الغارات جزءًا من استراتيجية أوسع تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتقديم الدعم العسكري والتدريب للقوات الصومالية، وتعزيز التعاون مع شركاء إقليميين لمكافحة الإرهاب.
سياسة الضغط الاستراتيجي على الجماعات الإرهابية
يشير محللون إلى أن استمرار الضربات الأمريكية في الصومال يعكس إرادة الإدارة الأمريكية الجديدة في مواجهة الجماعات الجهادية في أفريقيا، مع التركيز على استخدام الضربات الجوية الاستراتيجية للحد من قدرات التنظيمات الإرهابية دون الانخراط المباشر في نزاع بري طويل، مما يعكس نموذجًا يتبناه الجيش الأمريكي في مناطق النزاع المعقدة. تعكس تكثيف الولايات المتحدة لغاراتها الجوية في الصومال خلال يناير 2025 استمرار سياسة الضغط الاستراتيجي على الجماعات الجهادية في شرق أفريقيا، خصوصًا حركة الشباب وتنظيم داعش الصومالي. من المرجح أن تستمر هذه العمليات في المستقبل القريب، إذ تمثل غارات أفريكوم الجوية أداة مركزية لخفض قدرة التنظيمات على تنفيذ هجمات ضد المدنيين والمصالح الأمريكية والإقليمية، دون الانخراط في نزاع بري طويل ومكلف.
يظل التحدي الأكبر مرتبطًا بقدرة الحكومة الفيدرالية الصومالية على فرض سيطرتها على الأراضي، وتقديم بدائل أمنية فعالة للمواطنين، خصوصًا في المناطق الجنوبية والوسطى التي تسيطر عليها حركة الشباب. إذا لم تتحسن القدرة المحلية على حفظ الأمن، قد تتحول الضربات الجوية الأمريكية إلى مجرد حل مؤقت يحد من نشاط الجماعات الإرهابية لكنه لا يقضي على جذور الإرهاب في الصومال. يشير الصراع في الصومال إلى أبعاد أوسع تتعلق بأمن شرق أفريقيا، حيث قد يؤدي توسع الجماعات الإرهابية إلى تأثيرات إقليمية تمتد إلى كينيا وإثيوبيا. وبالتالي، فإن المستقبل يتطلب دمج الجهود العسكرية مع استراتيجيات سياسية وتنموية تعالج أسباب الانضمام للجماعات الإرهابية، بما يحقق توازنًا بين العمليات العسكرية القصيرة المدى وبناء القدرات المحلية طويلة الأجل.
المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا



