المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا
مكافحة الإرهاب ـ الأمن الألماني في مواجهة خطر داعش العابر للحدود
بات الوضع في سوريا بالغ الخطورة، والأهم من ذلك أن آلاف المقاتلين من تنظيم داعش، المحتجزين لدى القوات الكردية، قد يفرون من الحجز. أكد يوشين كوبلكه، الرئيس الاتحادي لاتحاد الشرطة الألمانية: “الوضع خطير، فقد يعود مقاتلو داعش الألمان من سوريا دون رادع”. وأضاف كوبلكه: “إن ما يصل إلى 30 مقاتلًا ألمانيًا من داعش يتواجدون في منطقة الصراع في سوريا”. تم توقيع اتفاق وقف إطلاق نار ثانٍ مع الأكراد، بحضور ممثلين عن فرنسا والولايات المتحدة، وصرّح توم باراك، سفير الولايات المتحدة لدى تركيا: “تتيح هذه اللحظة فرصة الاندماج الكامل في دولة سورية موحدة تتمتع بالحقوق المدنية والحماية الثقافية والمشاركة السياسية”.
مخاوف من وصول مقاتلي داعش لألمانيا
يمكن للاجئين الإسلاميين دخول ألمانيا بصفتهم مواطنين ألمان، ومن غير المرجح أن تمنع السلطات ذلك في البداية. ووفقًا لمعلومات حصلت عليها صحيفة تاغسشبيغل، يدور نقاش في الأوساط القضائية مفاده أنه، استنادًا إلى ملفات القضايا الحالية على الأقل، لن يواجه جميع أعضاء تنظيم داعش الألمان، والبالغ عددهم نحو 30 عضوًا، والمتواجدين في سوريا، الحبس الاحتياطي في ألمانيا.
يقول كوبلكه: “إن نظامنا القانوني مُعرّض لخطر الانهيار. أسفرت الإجراءات القانونية المضنية في المقام الأول عن إدانة المتعاطفات مع تنظيم داعش اللواتي ساعدن قتلة التنظيم. لكن من غير الواضح ما إذا كان بالإمكان العثور على أدلة مقبولة قانونيًا ضد الجناة الرئيسيين المحتملين، بالنظر إلى الوضع في سوريا. لن نحصل إلا على القليل جدًا من المواد القابلة للاستخدام. حتى في حالة إدانة أحد المتعاطفين مع داعش، يثار التساؤل حول كيفية تعامل نظامنا القانوني، المُوجّه نحو إعادة التأهيل، مع هؤلاء الرجال”. بحسب المعلومات، يطالب أقارب ثلاثة إسلاميين بنقل ذويهم إلى ألمانيا، مؤكدين خطر “إعادة التطرف” في السجون السورية. ويُذكر أن أحد هؤلاء الرجال الثلاثة هو مارتن ليمكه من ولاية ساكسونيا أنهالت، الذي كان يُصنّف سابقًا كمتشدد في تنظيم داعش، وسافر للانضمام إليه عام 2014.
هل هناك موجة جديدة من مقاتلي داعش وشيكة؟
إن الوضع داخل وحول مخيمات وسجون مقاتلي تنظيم داعش وعائلاتهم يثير القلق، لا سيما في المناطق المتنازع عليها. وقد خاضت قوات سوريا الديمقراطية الحرب ضد تنظيم داعش أثناء الصراع في سوريا، بشكل رئيسي إلى جانب التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. وبعد الانتصار العسكري على التنظيم، تم احتجاز مقاتليه وعائلاتهم في مخيمات شمال شرق البلاد لمنع عودته، وتولت قوات سوريا الديمقراطية حراسة وإدارة هذه المخيمات. أدى تجدد القتال إلى فرار سجناء تنظيم داعش. وبسبب تقدم القوات الحكومية والفصائل المتحالفة معها، اضطرت قوات سوريا الديمقراطية في نهاية المطاف إلى التخلي عن السيطرة على أكبر مخيم لأقارب مقاتلي تنظيم داعش، “مخيم الهول”، والانسحاب منه. وأعلن الجيش السوري أنه سيتولى السيطرة عليه.
حذر يوشين كوبلكه من عواقب محتملة على ألمانيا: “قد يكون بعض الإسلاميين الذين سُجنوا في سوريا لسنوات مع أمثالهم يخططون للانتقام”. يضم مخيم الهول آلافًا من أقارب مقاتلي داعش، غالبيتهم من النساء والأطفال والمراهقين. ورغم أن المخيم لا يُصنّف رسميًا كسجن، إلا أن سكانه يصفونه بذلك غالبًا. ولا يُسمح لهم بمغادرته طواعيةً. ولطالما سادت مخاوف من أن الجيل القادم من عناصر التنظيم يُدرَّب فيه. وبحسب مسؤولي المخيم، لا يزال تنظيم داعش يمارس نفوذه على السكان، محرضًا على جرائم القتل والهجمات. ويقول السكان أنفسهم إنهم يعيشون في منطقة خارجة عن القانون. وتنتقد منظمات حقوق الإنسان مرارًا وتكرارًا الأوضاع الإنسانية الكارثية التي يعيشها الناس هناك. وهناك مخاوف من أن يستغل تنظيم داعش التطورات الأخيرة ويستعيد قوته.
ما هو الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية؟
اعتمدت الولايات المتحدة بشكل كبير على الأكراد في الحرب ضد داعش والنظام السوري السابق. ويتضح هذا الأمر أيضًا في بيان سفير ترامب، فقد أشاد توم باراك، المبعوث الأمريكي الخاص، قائلًا: “أثبتت قوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد أنها الشريك الأكثر فعالية على الأرض في تفكيك خلافة تنظيم داعش حتى عام 2019”. كما ألمح إلى نهاية الدعم الأمريكي قائلًا: “لقد أصبح الغرض الأصلي لقوات سوريا الديمقراطية كقوة رئيسية لمكافحة داعش على الأرض متقادمًا إلى حد كبير، حيث أصبحت دمشق مستعدة وقادرة على تولي المسؤولية الأمنية، بما في ذلك السيطرة على مراكز احتجاز داعش ومعسكراته”.
ترغب الولايات المتحدة في دمج الأكراد في الدولة السورية، وترى في ذلك “فرصة عظيمة” للأكراد في سوريا للاندماج في دولة سورية موحدة “تتمتع بالحقوق المدنية والحماية الثقافية والمشاركة السياسية”، كما صرّح المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك. وكانت قوات سوريا الديمقراطية من أهم حلفاء الولايات المتحدة في سوريا في الحرب ضد تنظيم داعش.
في ضوء التطورات المتسارعة في سوريا، يبدو أن ألمانيا مقبلة على مرحلة أمنية وقانونية شديدة الحساسية. فاحتمال فرار مقاتلي تنظيم داعش من السجون والمخيمات شمال شرق سوريا لا يمثل خطرًا إقليميًا فحسب، بل يضع برلين أمام تحدٍ مباشر يتعلق بعودة مواطنين ألمان انخرطوا في صفوف التنظيم. ومع تراجع الدور الأمريكي، وتحوّل موازين السيطرة على الأرض، تتضاءل قدرة الشركاء المحليين على ضبط ملف الاحتجاز، ما يزيد احتمالات تسرب عناصر متطرفة إلى أوروبا.
من المرجح أن تجد السلطات الألمانية نفسها مضطرة إلى التعامل مع موجة عودة محتملة، سواء عبر تسليم مباشر أو تسلل غير مراقب. ورغم أن الإطار القانوني الألماني يسمح بمحاكمة العائدين، فإن نقص الأدلة الميدانية، وصعوبة توثيق الجرائم المرتكبة في مناطق الصراع، قد يؤديان إلى إفلات بعض العناصر من العقوبات. وهذا يخلق فجوة بين متطلبات الأمن القومي ومبادئ دولة القانون، وهي معادلة مرشحة لإثارة جدل سياسي وقضائي واسع داخل ألمانيا.
من المتوقع أن تسعى برلين إلى تعزيز أدوات المراقبة وإعادة التأهيل، مع توسيع برامج مكافحة التطرف داخل السجون والمجتمع. غير أن نجاح هذه المقاربة يبقى مرهونًا بقدرة المؤسسات الأمنية على احتواء مخاطر “إعادة التطرف”، خصوصًا لدى العائدين الذين يحملون خبرات قتالية وشبكات اتصال عابرة للحدود.
من المحتمل أن يتحول ملف مقاتلي داعش إلى عنصر ضغط دائم على السياسات الألمانية المتعلقة بالهجرة والأمن الداخلي. ومن المرجح أن يدفع ذلك نحو تشديد التشريعات، وتعزيز التعاون الاستخباراتي الأوروبي، وربما إعادة النظر في سياسات إعادة دمج المتطرفين. بذلك، تدخل ألمانيا مرحلة اختبار دقيق، حيث يتقاطع الأمن، والقانون، والاعتبارات الإنسانية، في ملف قد يرسم ملامح سياستها الأمنية لسنوات قادمة.
المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا



