المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا
تشهد الخريطة الجيوسياسية العالمية في مطلع عام 2026 تحولاً جذرياً في مراكز الثقل الدبلوماسي، حيث برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كلاعب محوري ومقصد استراتيجي لإدارة مفاوضات حرب أوكرانيا. ما يعكس ثقة دولية متزايدة في قدرة الإمارات على توفير منصة محايدة تتجاوز الاستقطاب الحاد بين الشرق والغرب. استثمرت الإمارات العلاقات الوطيدة مع أوكرانيا لتعزيز مكانتها في مفاوضات أبو ظبي. في وقت عجزت فيه المؤسسات الدولية التقليدية عن توفير مساحة آمنة للتفاوض.
التطور التاريخي للعلاقات الإماراتية الأوكرانية: من التأسيس إلى الشراكة الاستراتيجية
بدأت ملامح الدور الإماراتي في الأزمة الأوكرانية تتضح منذ بداية الحرب في فبراير 2022، حيث تبنت الدولة نهجاً متوازناً يرفض الانحياز لأي طرف، هذا التوازن لم يكن سياسياً فحسب، بل استند إلى ركائز اقتصادية واستراتيجية عميقة. تأسست العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 1992، ومنذ ذلك الحين، واصلت تطورها على أسس من الثقة المتبادلة والحوار البنّاء. وقد شهدت السنوات الأخيرة ديناميكية إيجابية وصلت إلى مستوى الشراكة الحقيقية بين البلدين والشعوب. وتعتبر دولة الإمارات أحد أكبر الشركاء التجاريين لأوكرانيا في الشرق الأوسط من ناحية حجم التجارة بالبضائع والمنتجات. تُظهر الأحداث أن العلاقات لم تتأثر سلباً بالتقلبات الجيوسياسية، بل زادت الإمارات من استثماراتها في أوكرانيا، حيث بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة حوالي 100 مليون دولار حتى سبتمبر 2020، مما جعل الإمارات أكبر مستثمر عربي في أوكرانيا. وتتركز هذه الاستثمارات في قطاعات حيوية تشمل الصناعات التحويلية، النقل، التخزين، الغاز، تجارة التجزئة، الزراعة، والعقارات.
الركيزة الاقتصادية لمفاوضات أبو ظبي: اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة
تمثل اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة الموقعة بين الإمارات وأوكرانيا نقطة تحول جوهرية في العلاقات الثنائية، حيث تهدف إلى إلغاء أو تخفيض الرسوم الجمركية على 99% من السلع الإماراتية و97% من الصادرات الأوكرانية. إن هذا الانخراط الاقتصادي العميق يمنح الإمارات مقعداً دائماً على طاولة المفاوضات؛ فكييف تدرك أن أبوظبي هي أحد الممولين القلائل القادرين على ضخ مليارات الدولارات في البنية التحتية فور إنهاء الحرب. في 30 يناير 2026، ترأست معالي ريم الهاشمي الدورة الرابعة للجنة المشتركة الإماراتية الأوكرانية، حيث تم استعراض التقدم المحرز في تنفيذ الاتفاقية. وأكد الجانبان على أن دخول الاتفاقية حيز التنفيذ سيُسهم في فتح آفاق جديدة أمام مجتمعي الأعمال في البلدين، خاصة في مجالات الموانئ والخدمات اللوجستية والإنشاءات والطاقة التقليدية والمتجددة. تتمثل الآثار الاقتصادية المتوقعة لاتفاقية بحلول عام 2031، في أن هذه الاتفاقية ليست مجرد أداة تجارية، بل هي “خريطة طريق” لتعزيز التبادل التجاري وتوفير فرص استثمارية لمجتمعي الأعمال. كما أنها تعكس التزام الإمارات المستمر بدعم جهود التعافي الاقتصادي في أوكرانيا من خلال تشجيع النمو القائم على الاستثمار والمساهمة في إعادة بناء البنية التحتية الحيوية.
الوساطة الإنسانية كأداة لبناء الثقة: ملف تبادل الأسرى
تطورت الوساطة الإماراتية عبر سلسلة من المراحل التراكمية، بدأت بملف تبادل أسرى الحرب، وهو الملف الذي حققت فيه الإمارات نجاحات كبيرة. وبحلول أغسطس 2025، كانت الإمارات قد يسرت 17 جولة من عمليات التبادل، مما أسفر عن إطلاق سراح أكثر من 4,641 أسيراً من كلا الجانبين. هذه النجاحات الإنسانية لم تكن غاية في ذاتها، بل كانت وسيلة لبناء الثقة التقنية بين الأجهزة الاستخباراتية والعسكرية في موسكو وكييف، مما مهد الطريق للانتقال من “إدارة النزاع” إلى “التفاوض على إنهائه”. وفي 5 فبراير 2026، أعلنت الإمارات عن نجاح الوساطة الثامنة عشرة، والتي شملت 314 أسيراً، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 4955 أسيراً. وتزامنت هذه الوساطة مع استضافة الجولة الثانية من المحادثات الثلاثية بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة في أبوظبي، مما يجسد نهج التعاون الاستراتيجي والثقة الدولية في دور الإمارات.
وصف ستيف ويتكوف، المبعوث الأمريكي الخاص، هذا التبادل الأخير بأنه نتيجة “مفاوضات مفصلة ومنتجة” بين الوفود الثلاثة، مشيراً إلى أن العمل لا يزال مستمراً لتحقيق مزيد من التقدم خلال العام 2026. إن نجاح هذا المسار حال دون الانهيار التام لقواعد النظام الدولي ووفر آلية لإنقاذ آلاف الأرواح.
القضايا الشائكة ومقترحات السلام: خطة الـ 28 نقطة و”صيغة ألاسكا”
تتمحور مفاوضات يونيو 2026 حول مسودة “خطة النقاط الـ 28” التي سربتها مصادر أمريكية في أواخر 2025، والتي تتضمن مقايضة تاريخية: “الأرض مقابل الأمن”. ومع ذلك، تواجه هذه الخطة تحديات كبيرة بسبب المطالب الروسية التي تتجاوز الترتيبات الإقليمية إلى تغييرات في النظام الأمني الأوروبي بالكامل. تبرز “صيغة ألاسكا” كعقبة أو كمنطلق للمطالب الروسية، حيث يصر يوري أوشاكوف وسيرغي لافروف على أن أي تسوية يجب أن تنطلق من التفاهمات التي تم التوصل إليها في قمة ألاسكا بين واشنطن وموسكو في أغسطس 2025. وتتضمن هذه الصيغة انسحاب القوات الأوكرانية من كامل الدونباس (بما في ذلك الأجزاء التي تسيطر عليها كييف) مقابل وقف إطلاق النار. في المقابل، قدمت أوكرانيا والاتحاد الأوروبي مقترحات مضادة تهدف إلى تحويل الخطة إلى “20 نقطة” تكون أكثر توازناً، من خلال رفع القيود على القوات العسكرية الأوكرانية وتأجيل مناقشة التنازلات الإقليمية الدائمة.
“ائتلاف الراغبين” وقوات الطمأنة الدولية
بالتوازي مع مفاوضات أبو ظبي، عقد “ائتلاف الراغبين” (الذي يضم 35-36 دولة تدعم أوكرانيا) قمة في باريس في يناير 2026 برئاسة ماكرون وستارمر. يهدف هذا الائتلاف إلى توفير “قوة طمأنة” (Reassurance Force) بعد وقف إطلاق النار لضمان عدم عودة العمليات العسكرية. أعلنت بريطانيا وفرنسا استعدادهما لنشر قوات في أوكرانيا في أعقاب أي اتفاق سلام، بشرط أن تتمركز هذه القوات بعيداً عن خط التماس المباشر لتجنب الصدام مع الروس. وتهدف هذه الخطوة إلى منح الضمانات الأمنية معنى حقيقياً على الأرض، خاصة في ظل تردد إيطاليا وبولندا في إرسال جنود. وتلعب الإمارات دوراً مهماً في التنسيق بين هذا الائتلاف والجانب الروسي لضمان أن هذه القوات لن تثير مخاوف موسكو الاستراتيجية.
الحرب المعلوماتية ودبلوماسية القوة الناعمة في عام 2026
لم تكن العلاقات الإماراتية الأوكرانية محصورة في الأبعاد الصلبة (العسكرية والاقتصادية)، بل امتدت لتشمل فضاء القوة الناعمة. أصبح عام 2026 عام ترسيخ مكانة أوكرانيا ليس كدولة تطلب المساعدة، بل كعنصر أساسي في هيكل الأمن العالمي، من الغذاء إلى الجيوسياسة. وتلعب الإمارات دور الميسر لهذا التحول، حيث ترى في استقرار أوكرانيا وسيلة لضمان الأمن الغذائي العالمي، وهو ملف حيوي لأبوظبي. كما تدرك موسكو أن الاستثمارات الإماراتية في أوكرانيا هي وسيلة لضمان عدم تحول جارتها إلى قاعدة عسكرية غربية صرفة، بل إلى ساحة تعاون اقتصادي متعدد الأطراف.
النتائج
حتى يونيو 2026، ستكون الإمارات هي الساحة التي ستتقرر فيها ليس فقط حدود أوكرانيا، بل وشكل النظام الدولي الجديد المتعدد الأقطاب. إن نجاح “مسار أبو ظبي” في إبقاء الأبواب مفتوحة ومنع الانهيار التام لقواعد النظام الدولي يجعله أحد أكثر المبادرات الدبلوماسية تأثيراً في التاريخ الحديث.
إن العلاقات الإماراتية الأوكرانية وتأثيرها على مفاوضات أبو ظبي 2026 تمثل نجاح لدولة صغيرة المساحة استطاعت عبر “دبلوماسية المكانة” والبراغماتية الاقتصادية أن تصبح لاعباً لا غنى عنه في الأمن العالمي. لقد وفرت الإمارات منصة تتجاوز البيروقراطية الدولية التقليدية، وجمعت رؤساء الاستخبارات والاقتصاد في بيئة آمنة لبناء الثقة.
الوساطة الإماراتية ليست مجرد استضافة للمحادثات، بل هي عملية تخطيط معقدة بدأت بتبادل الأسرى وانتهت بصياغة أطر اقتصادية وأمنية تهدف إلى إنهاء الحرب. وتدرك كل من واشنطن وموسكو وكييف أن أبوظبي هي الطرف الوحيد القادر على موازنة المصالح المتضاربة وتوفير الضمانات المالية والاستثمارية الضرورية لأي سلام دائم.
إن مستقبل أوكرانيا، وربما النظام العالمي، بات مرتبطاً بشكل وثيق بما يتم التوصل إليه في أروقة العاصمة الإماراتية، حيث تُصنع السياسة الدولية برؤية مستقبلية تتجاوز صراع المدافع.
المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا



