مفاوضات أبوظبي حول أوكرانيا ـ مقاربة لدور الإمارات وأوروبا في جهود السلام

فبراير 8, 2026 | دراسات

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

مفاوضات أبوظبي حول أوكرانيا ـ مقاربة لدور الإمارات وأوروبا في جهود السلام

اجتمعت روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة في محادثات ثلاثية في أبو ظبي، بهدف تعزيز فرص وقف إطلاق النار والتوصل إلى حلول سلمية للنزاع المستمر منذ أربع سنوات. وتركّز الاجتماع على تبادل الأسرى كخطوة ملموسة لبناء الثقة بين الأطراف، وهو تقدم مهم يُظهر الالتزام المشترك بتهيئة بيئة مناسبة لمزيد من المفاوضات. كان غياب أي حلول شاملة متوقعًا جزئيًا بسبب تعقيدات الأزمة، إلا أن اللقاء فتح نافذة جديدة للتعاون الفني والتخطيط لمراحل لاحقة من التسوية. وقد شهد الاجتماع انطلاق مناقشات مثمرة حول التفاصيل العسكرية والتقنية المتعلقة بمراقبة وقف إطلاق النار، مما يعكس إدراك الأطراف لأهمية إيجاد حلول عملية قابلة للتطبيق.

دعت الولايات المتحدة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عقب اختتام مفاوضات أوكرانيا في أبو ظبي، إلى جولة جديدة من المحادثات في الولايات المتحدة. وقال زيلينسكي في بيان في السابع من فبراير 2026 إن واشنطن “اقترحت للمرة الأولى” أن يجتمع الوفدان الأوكراني والروسي في الولايات المتحدة. ومن المتوقع أن يُعقد الاجتماع في فبراير 2026 في ميامي. كما صرّح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي: “يقترح الأمريكيون أن تنهي الأطراف الحرب خلال يونيو 2026، ومن المرجح أن يضغطوا على الأطراف للالتزام بهذا الجدول الزمني تحديدًا”. وأوضح أن الولايات المتحدة تريد إنجاز كل شيء بحلول يونيو. “وسيبذلون قصارى جهدهم لإنهاء الحرب. ويريدون جدولًا زمنيًا واضحًا لجميع الأحداث”.

الحياد النشط الإماراتي 

تشكل حرب أوكرانيا منذ بدايتها في فبراير 2022 مختبراً جيوسياسياً فريداً لفحص فاعلية أدوات الدبلوماسية الدولية في عصر ما بعد القطبية الواحدة، حيث برزت فجوة جوهرية في المنهجية والأهداف بين القوى التقليدية الأوروبية ودولة صاعدة مثل الإمارات العربية المتحدة في إدارة ملفات السلام. فبينما استندت المقاربة الأوروبية إلى “المعيارية الاستراتيجية” التي تربط السلام باستعادة النظام القانوني الدولي والعدالة الانتقالية، تبنت دولة الإمارات نموذجاً قائماً على “الحياد النشط” و”دبلوماسية النتائج الملموسة”، وهو ما أدى إلى تباين في الأدوار والنتائج المحققة.

تستند السياسة الخارجية لدولة الإمارات في تعاملها مع الأزمة الأوكرانية إلى مفهوم “الحياد النشط” (Active Neutrality)، وهو مبدأ قانوني وسياسي يتجاوز الحياد السلبي أو الانعزالي. ولذلك تتبنى استراتيجية تهدف إلى المساهمة الفعالة في إنهاء النزاعات لتعزيز أمنها ومكانتها الدولية. هذا الحياد لا يعني عدم اتخاذ موقف أخلاقي، بل يعني ممارسة “الاستقلالية الاستراتيجية” التي تسمح للدولة بالعمل كجسر بين الدول المتصارعة دون الانخراط في سياسة المحاور.

تتبنى الدول الأوروبية، وخاصة مجموعة “مثلث فايمار” (فرنسا، ألمانيا، بولندا)، مقاربة “المعيارية الدفاعية”. ترى هذه الدول أن الحرب في أوكرانيا تمثل تهديداً وجودياً للنظام الأوروبي القائم على القواعد، وبالتالي فإن أي تفاوض يجب أن يستند إلى استعادة السيادة الكاملة لأوكرانيا ومحاسبة روسيا قانونياً ومالياً. هذا الاختلاف يؤدي إلى نتائج متباينة في التفاوض؛ فبينما تسعى الإمارات لتأمين “اتفاقات تقنية” ممكنة (مثل تبادل الأسرى)، تصر أوروبا على “حلول مبدئية” قد تبدو بعيدة المنال في ظل موازين القوى الحالية.

آليات الوساطة الإماراتية، تبادل الأسرى كنموذج للنجاح

أثبتت الدبلوماسية الإماراتية كفاءة عالية في ملف تبادل الأسرى، حيث نجحت في فبراير 2026 في تسهيل عملية تبادل أسفرت عن إطلاق سراح الأسرى من روسيا وأوكرانيا. يكمن سر هذا النجاح في قدرة الإمارات على فصل الجانب الإنساني عن التعقيدات العسكرية والسياسية الكبرى. ففي 5 فبراير 2026، تم الإعلان عن تبادل 314 أسيراً (157 من كل جانب) في ظل استضافة أبوظبي لجولة من المحادثات الثلاثية التي ضمت الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا. هذا المسار يوفر لروسيا مخرجاً دبلوماسياً لا يتطلب منها تقديم تنازلات سيادية كبرى أمام الغرب، بينما يمنح أوكرانيا القدرة على استعادة جنودها والحفاظ على الروح المعنوية، وهو ما تفتقر إليه المقاربة الأوروبية التي غالباً ما تصطدم برفض الكرملين لأي حوار مع “العواصم الأوروبية”. إن نجاح الإمارات في تسهيل 10 عمليات تبادل في عام 2024 وحده يعكس ثقة متزايدة من الطرفين في نزاهة الوسيط وقدرته اللوجستية على تأمين عمليات التبادل في مواقع غير معلنة.

التعقيدات الاقتصادية:، الإمارات كمركز مالي مقابل مرحلة “zeitenwende”  

يمثل البعد الاقتصادي أحد أكثر نقاط التباين حدة بين المقاربتين الإماراتية والأوروبية. فبينما تعيش أوروبا مرحلة “التحول التاريخي” (Zeitenwende) التي أعلنها المستشار الألماني السابق أولاف شولتز، والهادفة إلى التخلص التام من الاعتماد على الطاقة الروسية وفك الارتباط الاقتصادي مع موسكو، ترى الإمارات في الأزمة فرصة لتعزيز مكانتها كمركز مالي ولوجستي عالمي. تظل المقاربة الأوروبية متمسكة بـ “صيغة السلام” التي طرحها الرئيس زيلينسكي والمكونة من 10 نقاط. تعتبر دول الاتحاد الأوروبي أن أي سلام “عادل ودائم” يجب أن يبدأ بالانسحاب الكامل للقوات الروسية. ففي 29 سبتمبر 2025، أصدر وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبولندا بياناً مشتركاً أكدوا فيه على ضرورة زيادة الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا “مهما استغرق الأمر”.

تتميز المقاربة الأوروبية بتركيزها على الجوانب القانونية والمؤسسية، أولاً المحاسبة القانونية، الإصرار على إنشاء محكمة خاصة، وهو ما ترفضه روسيا جملة وتفصيلاً. ثانياً استخدام الأصول المجمدة، من خلال السعي لاستخدام أرباح الأصول الروسية السيادية (حوالي 300 مليار دولار) لتمويل الدفاع وإعادة الإعمار في أوكرانيا. ثالثًا العضوية في الاتحاد الأوروبي، باعتبار انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي ضرورة استراتيجية لأمن القارة، وهو مسار يهدف إلى تثبيت أوكرانيا في المنظومة الغربية بشكل نهائي. هذه الجوانب تجعل الهامش التفاوضي للأوروبيين ضيقاً للغاية، حيث يُنظر إلى أي حل وسط على أنه “مكافأة لروسيا”.

فعلى سبيل المثال تواجه روسيا احتمال فرض عقوبات أوروبية جديدة واسعة النطاق، تتضمن حزمة العقوبات التي قدمتها المفوضية الأوروبية في بروكسل إجراءات صارمة تهدف إلى خفض عائدات روسيا من مبيعات الغاز والنفط. كما تدعو إلى قطع المزيد من المؤسسات المالية عن أنظمة الدفع الدولية وفرض قيود تجارية إضافية. علّقت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، على حزمة العقوبات المقترحة قائلةً: “بينما تُجرى محادثات سلام هامة في أبو ظبي، يجب أن نكون واضحين: لن تجلس روسيا إلى طاولة المفاوضات بنية صادقة إلا إذا تعرضت لضغوط للقيام بذلك”. ولا تزال هذه الحزمة بحاجة إلى مناقشة وموافقة الدول الأعضاء. ومن المُفترض أن تدخل حيز التنفيذ في 24 فبراير 2026.

ووفقاً للاتحاد الأوروبي، يمكن تطبيق الإجراءات التالية، من بين أمور أخرى، حظر شامل على جميع الخدمات البحرية المتعلقة بنقل النفط الخام الروسي. سيواجه روسيا حينها صعوبات بالغة في تصدير النفط بحراً، إذ أن نسبة كبيرة من هذه الخدمات تُقدم حالياً من قبل شركات غربية، بما فيها شركات أوروبية. يُحظر تقديم الخدمات البحرية فقط للسفن والشركات التي لا تلتزم بسقف سعر النفط الغربي. تشمل هذه الخدمات، على سبيل المثال، التأمين، وتأجير السفن، والخدمات الفنية كالصيانة والإصلاح. ولأن الشحن قطاع عالمي، تقترح المفوضية الأوروبية تطبيق الحظر الكامل بالتنسيق مع الشركاء ذوي التوجهات المماثلة، وذلك عقب قرار مجموعة الدول السبع، التي تضم ألمانيا، وكندا، وفرنسا، وإيطاليا، واليابان، والمملكة المتحدة ، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي.

في القطاع المالي، يجري العمل على خطط لفصل المزيد من البنوك عن نظام سويفت للاتصالات المالية. علاوة على ذلك، سيتم استهداف البنوك التابعة لدول ثالثة التي تدعم اقتصاد الحرب الروسي. كما يُخطط لحظر المعاملات التي تشمل العملات المشفرة ومنصات العملات المشفرة اللامركزية. كما ستُفرض عقوبات على الشركات الروسية والأجنبية التي تدعم المجمع الصناعي العسكري الروسي، بما في ذلك الشركات الأجنبية. ولتقليل الإيرادات الروسية، يُخطط لفرض حظر على استيراد معادن ومواد كيميائية ومواد خام أساسية إضافية، ما قد يُخفض إيرادات البلاد بمقدار 570 مليون يورو سنويًا.

ستكون حزمة العقوبات الجديدة هي العشرين التي تُفرض على روسيا. دخلت الحزمة التاسعة عشرة حيز التنفيذ في أكتوبر، وكانت تهدف أيضًا بشكل كبير إلى خفض عائدات روسيا من مبيعات الغاز والنفط. ولتحقيق هذه الغاية، تم الاتفاق على حظر كامل لاستيراد الغاز الطبيعي المسال من روسيا اعتبارًا من عام 2027، أي قبل عام من الموعد المقرر أصلاً. قالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، تعليقاً على الحزمة الجديدة: “تواصل روسيا الرد على الدبلوماسية بالصواريخ. ونحن عازمون على جعل هذا الخيار مكلفاً للغاية”. تنتهي الحروب عندما ينفد مال أحد الأطراف. ويُعدّ قطع تدفق الأموال إلى موسكو أمراً بالغ الأهمية لوقف القتال.

التباين في المساعدات الإنسانية، القوة الناعمة مقابل الدعم المؤسسي

لا يقتصر الفرق بين الإمارات وأوروبا على السياسة والاقتصاد، بل يمتد إلى كيفية تقديم الدعم الإنساني. تبنت الإمارات نهجاً إنسانياً يركز على المشاريع الملموسة ذات الأثر الاجتماعي السريع، خاصة من خلال التعاون مع “مؤسسة أولينا زيلينسكا”. في المقابل، يركز الدعم الأوروبي على استدامة الدولة الأوكرانية ككل. فخطة التعافي التي تقودها إيطاليا تهدف إلى إصلاح البنية التحتية للطاقة والاتصالات بما يتوافق مع المعايير الأوروبية. أوروبا تسعى لتحويل أوكرانيا إلى “عضو في العائلة الأوروبية”، مما يجعل مساعداتها مرتبطة بشكل وثيق بالإصلاحات القضائية ومكافحة الفساد، وهو ما يختلف عن الطابع “الإنساني” المباشر للمساعدات الإماراتية.

النتائج

إن استضافة هذه المحادثات تعزز مكانتها كـ “عاصمة عالمية للدبلوماسية الواقعية”، بعيداً عن الاستقطابات الحادة في بروكسل. أتاح الحوار الدبلوماسي على الرغم من استمرار الضغوط العسكرية، فرصة لتقييم المسارات الممكنة لوقف الحرب، بما فيها الترتيبات الأمنية والآليات المستقبلية للتصدي لأي انتهاكات. هذه المناقشات تمثل خطوة تحضيرية مهمة لتسوية أوسع، إذ تم تحديد القضايا الجوهرية ووضع خيارات مقبولة لدى موسكو وكييف، وهو ما يُعد أساسًا لتقوية الثقة بين الطرفين.

من المرجح أن يتعزز الدور الإماراتي بوصفه وسيطًا عمليًا يركز على “إدارة الصراع” أكثر من حله النهائي. نجاح أبو ظبي في ملفات تبادل الأسرى والوساطة التقنية يمنحها رصيداً متزايداً من الثقة لدى موسكو وكييف وواشنطن، ما يؤهلها للعب دور أكبر في ترتيبات مرحلية، مثل توسيع إجراءات بناء الثقة، أو إدارة اتفاقات وقف إطلاق نار محدودة زمانياً أو جغرافياً. هذا الدور لا ينافس المسار الأوروبي، بل يسد فجوة واضحة بين التصعيد العسكري والمطالب السياسية القصوى.

أما الولايات المتحدة، فتبدو متجهة نحو محاولة فرض إطار زمني لإنهاء الحرب، كما عكس حديث إدارة ترامب عن يونيو 2026، غير أن نجاح هذا الطرح سيظل مرهونًا بقدرتها على تنسيق الضغوط مع الأوروبيين دون إضعاف قنوات الوساطة المرنة التي تمثلها الإمارات. وفي حال فشل هذا التوازن، قد نشهد انقساماً عملياً في إدارة الملف: مسار غربي ضاغط، ومسار وساطي يحافظ على قنوات الحوار مفتوحة.

https://eocr.eu/?p=12927

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

 

تابعنا على تويتر

مقالات ذات صلة

كيف يمكن لأوروبا مواجهة التغلغل الإيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين؟

كيف يمكن لأوروبا مواجهة التغلغل الإيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين؟

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا كيف يمكن لأوروبا مواجهة التغلغل الإيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين؟ عقد في السادس من مارس 2026 في البرلمان الأوروبي فعالية نظمتها منظمة IMPAC بلجيكا، ومجموعة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين في البرلمان الأوروبي، وحزب الشعب...

مكافحة الإرهاب في أوروبا ـ النشاط الإيراني المتنامي في الاقتصاد والأمن

مكافحة الإرهاب في أوروبا ـ النشاط الإيراني المتنامي في الاقتصاد والأمن

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا مكافحة الإرهاب في أوروبا ـ النشاط الإيراني المتنامي في الاقتصاد والأمن أسس رجل أعمال إيراني أسس إمبراطورية عقارية في أوروبا، تشمل فنادق فاخرة في ألمانيا. وتشير التحقيقات إلى أن هذه الشركة تقود إلى نجل المرشد الإيراني الراحل علي...

لماذا تضع الاستخبارات الألمانية “جيل ألمانيا” تحت المراقبة؟

لماذا تضع الاستخبارات الألمانية “جيل ألمانيا” تحت المراقبة؟

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا لماذا تضع الاستخبارات الألمانية "جيل ألمانيا" تحت المراقبة؟ بسبب مزاعم التطرف، أسس حزب البديل من أجل ألمانيا منظمة شبابية جديدة. إلا أن هذا لا يحسن من وضعه، على الأقل ليس في شمال الراين وستفاليا. حيث صنفت وكالة الاستخبارات...