المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا
مفاوضات أبوظبي حول أوكرانيا ـ الدور الأوروبي بين التهميش والضغط السياسي
تُظهر محادثات أبو ظبي أن صعود دولة الإمارات العربية المتحدة كوسيط مركزي في حرب أوكرانيا لم يكن وليد المصادفة، بل كان نتيجة لسياسة “الحياد النشط” التي انتهجتها أبو ظبي منذ فبراير 2022. وبحلول فبراير 2026، نجحت الوساطة الإماراتية في تسهيل 18 جولة لتبادل الأسرى، مما أسفر عن إطلاق سراح نحو 5000 أسير من الجانبين. هذا التراكم في بناء الثقة مهد الطريق لتحويل العاصمة الإماراتية إلى “منصة مركزية” للحوار الأمني بين القوى العظمى. تميزت جولة فبراير 2026 بمشاركة نوعية لم تشهدها القنوات السابقة؛ كما إن حضور القيادات الأمنية والاستخباراتية يعكس تحولاً في المنهجية التفاوضية من الخطابات الدبلوماسية العامة إلى “المقايضات التقنية” العسكرية. بالنسبة للدول الأوروبية، لم تكن محادثات أبو ظبي مجرد جولة تفاوضية، بل كانت اختباراً وجودياً لدور أوروبا في صياغة أمنها القومي، خاصة في ظل إدارة أمريكية تتبنى نهجاً يتجاوز أحياناً الحلفاء التقليديين.
الموقف المؤسسي للاتحاد الأوروبي، التشكيك في “الجدية” الروسية
قوبلت محادثات أبو ظبي بمزيد من الحذر الاستراتيجي في بروكسل، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، كايا كالاس، عبرت عن هذا الموقف بوضوح عندما وصفت الوفد الروسي في أبو ظبي بأنه “غير جدي”. ربما استند تحليل كالاس إلى طبيعة الوفد الروسي المكون أساساً من عسكريين لا يملكون تفويضاً سياسياً لاتخاذ قرارات سلام نهائية، معتبرة أن موسكو تهدف فقط إلى “التظاهر” بالتفاوض بينما تواصل قصف كييف وتدمير البنية التحتية للطاقة. تشير التقارير إلى أن الاتحاد الأوروبي يخشى أن تؤدي هذه المحادثات، التي تجري في غياب تمثيل أوروبي مباشر، إلى اتفاق يفرض تنازلات أوكرانيا ويخلق سابقة أمنية خطيرة في القارة. كانت كالاس قد أكدت أن أي اتفاق سلام يجب أن يمر عبر القنوات الأوروبية لأن “الحرب تدور في أوروبا”، وأن الغياب الأمريكي عن دعم أوكرانيا لقرابة عام وضع العبء الأكبر على عاتق الدول الأوروبية في المجالات العسكرية والإنسانية.
الاستراتيجية الاقتصادية والمالية، القائمة السوداء كأداة ضغط
لجأ الاتحاد الأوروبي بالتزامن مع انطلاق محادثات أبو ظبي، إلى تفعيل “أدوات القوة” لضمان عدم استغلال روسيا للمسار الدبلوماسي لتخفيف الضغط عنها. ففي 29 يناير 2026، دخل قرار إدراج روسيا في القائمة السوداء لغسل الأموال وتمويل الإرهاب حيز التنفيذ. تهدف هذه الخطوة الاستراتيجية إلى عزل روسيا مالياً وجعل العمليات المالية المرتبطة بها مكلفة ومعقدة للغاية. تتجاوز آثار هذا الإدراج الجوانب التقنية لتصل إلى أبعاد جيوسياسية؛ حيث يفرض الاتحاد الأوروبي الآن على البنوك والمؤسسات المالية تطبيق “تدابير فحص دقيقة معززة على كل معاملة مرتبطة بروسيا. يهدف هذا الإجراء إلى، تقويض التمويل العسكري من خلال كشف المستفيدين الحقيقيين من الصفقات ومنع الالتفاف على العقوبات. كذلك الضغط على الوسطاء في دول ثالثة لتقليص تعاملاتها مع روسيا لتجنب فقدان حساباتها في أوروبا. كذلك توجيه رسالة سياسية، وي وضع روسيا في نفس الفئة التنظيمية مع دول مثل كوريا الشمالية وإيران، مما يعزز عزلتها الدولية.
يقول ريكارد جوزفياك هو محرر الشؤون الأوروبية في إذاعة أوروبا الحرة: “باختصار، سيتعين على المؤسسات المالية في الاتحاد الأوروبي تعزيز إجراءات العناية الواجبة في جميع المعاملات مع روسيا. تستهدف عقوبات الاتحاد بنوكاً روسية محددة، ولكن، على الأقل نظرياً، سيتعين على البنوك الأوروبية إيلاء اهتمام خاص لجميع المعاملات من وإلى روسيا، بما في ذلك تلك التي تتم عبر دول ثالثة، ففي حال الاشتباه بأي مخالفة، يجب على البنوك إما طلب مزيد من التوضيحات أو إيقاف المعاملة تماماً”.
فرنسا وإعادة الانخراط في المفاوضات، مبادرة ماكرون
تبنى الرئيس إيمانويل ماكرون نهجاً مختلفاً يركز على ضرورة عدم تهميش أوروبا في “مفاوضات السلام” الجديدة. تشير التقارير إلى أن ماكرون أرسل مستشاره الدبلوماسي الأول إيمانويل بون، إلى موسكو في فبراير 2026 للقاء يوري أوشاكوف، مساعد مساعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في السياسة الخارجية. تهدف هذه المهمة إلى التأكيد على أن فرنسا وأوروبا لن “تقبل تلقائياً” أي اتفاق يتم التوصل إليه بين واشنطن وموسكو في أبو ظبي. واجهت هذه المبادرة الفرنسية رفضاً من الكرملين؛ حيث وصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تصريحات ماكرون بشأن الرغبة في الاتصال ببوتين بأنها “دبلوماسية مثيرة للشفقة”. يعكس هذا الهجوم الروسي رغبة موسكو في حصر التفاوض مع الجانب الأمريكي، الذي تعتبره “القوة الوحيدة القادرة على فرض واقع جديد”، بينما يرى ماكرون أن الحوار مع بوتين ضروري لضمان “ضمانات أمنية متبادلة” لا تترك أوروبا مكشوفة استراتيجياً.
ألمانيا، “نقطة التحول” ومعضلة القنوات الموازية
أكد المستشار الألماني فريدريش ميرز دعم ألمانيا لمسار أبو ظبي طالما أنه “منسق” ولا يؤدي إلى فتح “قنوات اتصال موازية” تضعف الجبهة الغربية. ترى برلين أن الضمانات الأمنية لأوكرانيا هي القضية المركزية؛ فبدون التزام أمريكي وأوروبي صلب، لن تخاطر كييف بوقف إطلاق نار قد تستغله روسيا لإعادة تنظيم صفوفها. تُظهر الأحداث أن ألمانيا، تصر على أن أي مسار تفاوضي في أبو ظبي يجب أن يقترن بخارطة طريق لرفع العقوبات مرتبطة بتنازلات روسية ملموسة، وليس “تنازلات مجانية” كما تصفها بعض الأوساط في برلين رداً على الخطط الأمريكية. ورحب وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بالمحادثات التي توسطت فيها الولايات المتحدة، لكنه أضاف أنه “من الواضح أن أوروبا يجب أن تكون على طاولة المفاوضات عند اتخاذ القرارات بشأن النظام الأمني لقارتنا، ويجب أن تعلم روسيا أن التزامنا بالدبلوماسية لا يأتي على حساب تصميمنا على دعم أوكرانيا”.
انتقد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول تصلب موقف روسيا بشأن القضايا الإقليمية، محذراً من أن محادثات السلام في أبو ظبي قد تطول. وفي ظل المخاوف من تنامي قدرات روسيا العسكرية، أظهر تحليل أجرته وكالة الاستخبارات الخارجية الألمانية أن روسيا أنفقت نصف ميزانيتها الفيدرالية على جيشها العام 2025. وخلص جهاز الاستخبارات الألماني (BND) إلى أن الإنفاق الدفاعي الفعلي لموسكو كان أعلى بنسبة 66% مما أعلنته رسمياً. في عام 2025، شكل الإنفاق العسكري الروسي 10% من إجمالي الناتج الاقتصادي، على الرغم من أنه شكل نصف إجمالي ميزانية البلاد. بينما خلص منشور صادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أن الكرملين يخطط لإنفاق ما يقرب من 15.5 تريليون روبل على جيشه في عام 2026، أي ما يعادل 7.2% من ناتجه المحلي الإجمالي.
المملكة المتحدة، التمسك بالضغط الميداني
أبدى رئيس الوزراء كير ستارمر حذراً كبيراً تجاه التسريبات المتعلقة باتفاق سلام أمريكي روسي، وترى بريطانيا أن الطريق الوحيد لجعل روسيا تقبل باتفاق عادل هو ممارسة “أقصى قدر من الضغط” من خلال، الاستمرار في تقديم الدعم العسكري النوعي لكييف، واستخدام الأصول الروسية المجمدة كأداة ضغط مالي، والتنسيق الوثيق مع الحلفاء الأوروبيين لضمان عدم انفراد واشنطن بالقرار. وكانت قد أكدت المملكة المتحدة في فبراير 2025 إنها جمدت 25 مليار دولار من الأصول الروسية، كما أن العقوبات التي فرضتها عدة دول على روسيا حرمت اقتصاد موسكو من أكثر من 400 مليار دولار منذ فبراير2022، وهو ما يعادل تقريبا أربع سنوات من الإنفاق العسكري الروسي.
أبرز نقاط التوتر الجيوسياسي
الوضع القانوني للأراضي: تضغط واشنطن لإنهاء الحرب بحلول يونيو 2026، وهو موعد يربطه الرئيس زيلينسكي والمحللون الأوروبيون بحسابات الانتخابات النصفية الأمريكية. يرى الأوروبيون أن هذا التسرع قد يؤدي إلى اتفاق “غير عادل” يمنح روسيا انتصاراً جيوسياسي. تصر روسيا في محادثات أبو ظبي على سقف لا يتجاوز 600 ألف جندي، بينما كانت تطالب سابقاً بـ 85 ألفاً فقط في عام 2022. ترفض أوروبا أي قيود تضعف قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها مستقبلاً. أما الوضع القانوني للأراضي، فبينما تتحدث الخطة عن “تجميد”، تصر أوروبا على استعادة كامل السيادة الأوكرانية وترفض أي اعتراف قانوني بالضم الروسي. وبالنسبة للأوروبيين، فإن تدمير البنية التحتية الأوكرانية يفرض عليهم أعباء إنسانية واقتصادية هائلة، مما دفعهم لتسريع إقرار حزمة العقوبات العشرين التي تستهدف قطاع الطاقة الروسي بشكل غير مسبوق.
انتهاء معاهدة “نيو ستارت” وفراغ الأمن النووي: في فبراير 2026، وبينما كانت الوفود تجتمع في أبو ظبي، انتهت صلاحية معاهدة “نيو ستارت” (New START)، وهي آخر معاهدة كبرى للحد من الأسلحة النووية بين واشنطن وموسكو. هذا الحدث وضع الدول الأوروبية في حالة استنفار أمني؛ فغياب الرقابة على الترسانة النووية الروسية يعني أن القارة أصبحت مكشوفة تماماً أمام التهديدات الاستراتيجية. أدى هذا الفراغ الأمني إلى زيادة الضغط على مسار أبو ظبي لإدراج قضايا الاستقرار الاستراتيجي في المحادثات. ومع ذلك، تشير التقارير إلى أن التركيز الأمريكي منصب على “الصفقة الإقليمية” السريعة، مما دفع القادة الأوروبيين للتفكير في “أوروبية الناتو” وتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، بما في ذلك نقاشات حول الردع النووي الأوروبي المستقل.
التنافس الإقليمي والوساطات البديلة: لا تنفصل محادثات أبو ظبي عن سياق إقليمي أوسع يشمل مفاوضات واشنطن مع طهران في مسقط. تلاحظ الدول الأوروبية أن إدارة ترامب تستخدم دول الخليج (الإمارات وعمان) كمنصات رئيسية لدبلوماسيتها، مما يقلل من دور العواصم الأوروبية التقليدية. فيما يخص تركيا، يبرز موقف أوروبي يرى في أنقرة شريكاً استراتيجياً لما بعد الحرب. الاتحاد الأوروبي يدرس بجدية دوراً تركياً في مراقبة وقف إطلاق النار في البحر الأسود، وحتى إمكانية إرسال قوات حفظ سلام تركية. هذا التوجه يعكس رغبة أوروبية في إيجاد “وسطاء أمنيين” يمتلكون قدرات عسكرية على الأرض.
تعتبر أحد العوامل التي أضعفت الموقف الأوروبي في محادثات أبو ظبي هو التوتر الحاد مع واشنطن بسبب “مساعي ترامب في غرينلاند”. وصفت كايا كالاس العلاقات عبر الأطلسي بأنها تلقت “ضربة كبيرة”، مما خلق حالة من عدم اليقين حول مدى التزام واشنطن بأمن الحلفاء. هذا التوتر جعل الأوروبيين يشعرون بأنهم مستهدفون اقتصادياً وسياسياً من الحليف الأمريكي، مما دفعهم لاتخاذ مواقف أكثر تشدداً في ملف العقوبات على روسيا كنوع من “الاستقلال الاستراتيجي”.
يعتقد “كلود فرانس أرنولد” الدبلوماسي الفرنسي السابق والمستشار الخاص لرئيس الشؤون الأوروبية في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية “أنه كان ينبغي للاتحاد الأوروبي أو بعض الدول الأوروبية أن تقترح إجراء محادثات قبل أن يطلق ترامب مبادراته، ربما مع دول أخرى غير أعضاء في الاتحاد الأوروبي”. وكان قد أشار أشار استطلاع للرأي في فبراير 2025 حول من يستحق الحصول على دعوة على طاولة المفاوضات بشان حرب أوكرانيا، حيث جاء رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا والممثلة الأعلى للاتحاد الأوروبي “كايا كالاس” في المقدمة بسبب المسؤوليات الموكلة إليهما من خلال أدوارهما المختلفة. كما أن هناك احتمالية لاختيار رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين” ، وقد تكون الإيطالية “جورجيا ميلوني” التي يُنظَر إليها على أنها قريبة من “ترامب” من بين المرشحين.
النتائج
يظهر مستقبل الموقف الأوروبي في ظل مسار أبو ظبي معقداً ويعكس توازناً دقيقاً بين التهميش والضغط السياسي. فالصعود الإماراتي كوسيط مركزي أعاد تشكيل خريطة النفوذ في الحرب الأوكرانية، كما أن استمرار الولايات المتحدة في قيادة مسار المفاوضات بشكل أحادي يضع القارة الأوروبية أمام تحدٍ مزدوج، الحاجة إلى حماية مصالح أوكرانيا وأمنها، وفي الوقت ذاته الحفاظ على تأثيرها السياسي في المحادثات، ما يفسر استمرار تنسيق فرنسا وألمانيا وبريطانيا عبر قنوات دبلوماسية أخرى.
من المرجح أن تشدد أوروبا قيودها على روسيا اقتصادياً ومالياً، مستخدمة أدوات مثل قوائم غسل الأموال والعقوبات على الطاقة لمنع أي استغلال دبلوماسي يخدم موسكو. في الوقت ذاته، قد تزداد أهمية المبادرات الفرنسية والألمانية لإبقاء أوروبا “على الطاولة”، خاصة في ظل انتهاء معاهدة نيو ستارت وغياب إطار رقابة نووي مشترك، مما يعزز الحاجة إلى تطوير قدرات الردع الأوروبية الذاتية، بما يشمل الردع النووي المستقل وتقوية البنية الدفاعية التقليدية.
من المتوقع أن تبحث أوروبا عن شركاء إقليميين قادرين على ضمان استقرار مسار وقف إطلاق النار، مثل تركيا، مع تطوير آليات المراقبة والحماية للبحر الأسود والمناطق الحدودية. كما أن أي اتفاق أمريكي روسي سريع قد يدفع الأوروبيين لتكثيف الاستثمارات الاستراتيجية في الدفاع والقدرات الاستخباراتية المستقلة، لتجنب فرض واقع أمني جديد على القارة دون مشاركتهم الفاعلة.
سيعتمد المستقبل الأوروبي في ملف أوكرانيا على مزيج من الضغط الاقتصادي، الدبلوماسية النشطة، والتحالفات الإقليمية، مع سعي مستمر للحفاظ على استقلال القرار الاستراتيجي. أوروبا أمام فرصة لإعادة تعريف دورها الدولي كمحرك أمني ودبلوماسي مستقل، لكن هذا يتطلب ردوداً متوازنة وحازمة لمواجهة محاولات تهميشها في أي مفاوضات كبرى.
المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا



