كيف مولت شركة”لافارج” تنظيم داعش؟

يونيو 15, 2026 | دراسات

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

هل مولت شركة”لافارج” تنظيم داعش؟

تُعد قضية شركة لافارج واحدة من أبرز ملفات محاسبة الشركات متعددة الجنسيات في مناطق النزاع، بعد اتهامات بتمويل جماعات متطرفة في سوريا. وتكشف التطورات القضائية المتلاحقة عن أبعاد قانونية وأخلاقية معقدة تتعلق بعمل الشركات في البيئات غير المستقرة.

مخاوف سياسية وحقوقية

طالبت عائلات ضحايا هجمات داعش وأفراد الجيش الأمريكي الذين قُتلوا أو جُرحوا في الحرب ضد داعش في 23 مايو من العام 2026، ، بالحصول على ما يقرب من 778 مليون دولار أمريكي دفعتها شركة لافارج الفرنسية العملاقة للأسمنت بموجب تسوية أبرمتها عام 2022 مع وزارة العدل الأمريكية. في 20 مايو من العام 2026، أكد خبراء قانونيون في منظمة “غلوبال رايتس كومبلاينس” بأن قضية لافارج قد تُصبح سابقة حاسمة للشركات متعددة الجنسيات العاملة في مناطق النزاع، محذرين من أن الشركات قد تواجه بشكل متزايد مسؤولية جنائية بسبب استمرارها في إقامة علاقات تجارية مع جماعات متطرفة خلال الحرب. كما واصلت منظمات حقوق الإنسان إثارة مخاوفها بشأن جانبين لم يُحسما من هذه القضية: عدم حصول الموظفين السابقين الذين يُزعم أنهم تعرضوا للاختطاف والقصف ومخاطر أخرى أثناء عملهم في مصنع لافارج في سوريا على تعويضات، والتحقيق الفرنسي الجاري حول ما إذا كانت تعاملات الشركة مع داعش ترقى إلى مستوى التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية.

أدت هذه التطورات إلى إعادة تسليط الضوء على واحدة من أكثر قضايا الشركات إثارةً للجدل في الحرب الأهلية السورية. فقد مرّ ما يقارب عشر سنوات منذ أن كشفت صحيفة “لوموند” الفرنسية لأول مرة أن شركة “لافارج”، التي اندمجت لاحقًا مع شركة “هولسيم” السويسرية، قد دفعت ملايين الدولارات لتنظيم داعش وجماعات متطرفة أخرى في سوريا للحفاظ على تشغيل مصنعها للأسمنت. وأثارت هذه الكشوفات ردود فعل دولية، إذ كشفت عن مدى استعداد شركة متعددة الجنسيات كبرى للذهاب بعيدًا لحماية مصالحها التجارية في منطقة حرب، بما في ذلك الدخول في ترتيبات مالية مع منظمات إرهابية. كما شكّلت هذه القضية إحراجًا كبيرًا لفرنسا، حيث لا تزال الإجراءات القانونية المتعلقة بها مستمرة حتى اليوم.

إدانة محكمة باريسية شركة لافارج بتمويل منظمات إرهابية

شهد يوم 13 أبريل من العام 2026 نقطة تحول تاريخية، حين أدانت محكمة باريسية شركة لافارج بتمويل منظمات إرهابية في سوريا خلال الحرب الأهلية. وكانت هذه المرة الأولى في التاريخ الفرنسي التي تُحاسب فيها شركة جنائيًا على دعم الإرهاب. وخلصت المحكمة إلى أن الشركة دفعت، بين عامي 2013 و2014، ما يقارب 6.5 مليون دولار أمريكي لجماعات متطرفة، من بينها تنظيم داعش، للحفاظ على استمرار تشغيل مصنعها للأسمنت في، شمال سوريا. وحُكم على عدد من المديرين التنفيذيين والوسطاء السابقين، بمن فيهم الرئيس التنفيذي السابق برونو لافون، بالسجن، بينما غُرّمت الشركة لتمويلها الإرهاب وانتهاكها العقوبات المفروضة على سوريا. وخلص القضاة إلى أن إدارة لافارج كانت على دراية تامة بمن تتعامل معه، واختارت عن وعي الاستمرار في دفع الأموال حفاظًا على مصالحها التجارية. وصرحت القاضية إيزابيل بريفو-ديبريه، رئيسة المحكمة: “من الواضح تمامًا للمحكمة أن الغرض الوحيد من تمويل المنظمة الإرهابية كان الحفاظ على استمرار تشغيل المصنع السوري لأسباب اقتصادية وقد شكلت هذه المدفوعات شراكة تجارية حقيقية مع تنظيم داعش”.

تشكيل شراكة تجارية مع تنظيم داعش

لم يكن حكم أبريل من العام 2026 أول ضربة قانونية تتلقاها الشركة. ففي عام 2022، أقرت لافارج في الولايات المتحدة بأن فرعها السوري قد دفع ما يقارب 6 ملايين دولار لتنظيم داعش وجبهة النصرة بين عامي 2013 و2014، وذلك لضمان استمرار تشغيل مصنع الإسمنت وتسهيل حركة الموظفين والموردين والبضائع عبر الأراضي التي يسيطر عليها داعش. كما أقرت الشركة بشراء مواد خام من موردين مرتبطين بتنظيم داعش. وفي إطار اتفاقية إقرار بالذنب مع وزارة العدل الأمريكية، وافقت لافارج على دفع غرامات ومصادرات بقيمة 778 مليون دولار تقريبًا.

مع ذلك، قد لا تزال التداعيات القانونية لهذه القضية بعيدة عن الانتهاء. تواصل السلطات الفرنسية التحقيق في قضية منفصلة تتعلق بادعاءات التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية. ووفقًا للمدعين العامين ومنظمات حقوق الإنسان، حافظت شركة لافارج على علاقات تجارية مع تنظيم داعش حتى بعد أن اشتهر التنظيم بعمليات القتل الجماعي والتعذيب والإعدام والاختطاف واضطهاد المدنيين. وترى منظمات مثل شيربا والمركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان أن إدانة الشركة في أبريل 2026 بتهمة تمويل الإرهاب قد تكون مجرد بداية لمشاكلها القانونية، وتواصل الضغط من أجل محاكمة كاملة بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

أثارت قضية العمال السوريين السابقين العالقة جدلًا واسعًا. فقد انتقد المدافعون عن حقوق الإنسان عدم حصول العديد من العمال الذين بقوا في المصنع خلال النزاع، والذين زُعم تعرضهم لمخاطر جسيمة، على تعويضات. وتشير التقارير إلى أن العمال اضطروا للمرور عبر نقاط تفتيش تسيطر عليها جماعات متطرفة، وواجهوا تهديدات بالاختطاف والقصف والعنف. ويُزعم أن بعضهم اختُطف أو تعرض لسوء المعاملة. ويرى المنتقدون أن قرار المحكمة بشأن تمويل الإرهاب لم يُعالج بشكل كافٍ معاناة هؤلاء العمال. استحوذت شركة لافارج على مصنع أسمنت الجلابية في شمال سوريا عام 2008 مقابل حوالي 680 مليون يورو، وبدأت عملياتها فيه عام 2010، قبيل اندلاع الحرب الأهلية السورية في العام التالي. وبينما انسحبت العديد من الشركات متعددة الجنسيات من سوريا عام 2012، اقتصر إجلاء لافارج على موظفيها الأجانب فقط، تاركةً الموظفين السوريين في الموقع حتى سبتمبر من العام 2014، حين سيطر تنظيم داعش على المنشأة.

لم تمنع الفظائع التي ارتكبها تنظيم داعش في سوريا شركة لافارج من الحفاظ على علاقتها مع التنظيم، لكن سرعان ما اتضح أن داعش يشكل تهديدًا يتجاوز حدود الشرق الأوسط. خلال محاكمة أبريل 2026، أكد القاضي بريفو-ديبريه أن مدفوعات الشركة قد عززت منظمات مسؤولة عن هجمات دامية في سوريا وخارجها، بما في ذلك فرنسا. نفذ داعش أعنف هجوم إرهابي في تاريخ فرنسا في نوفمبر 2015، مستهدفًا قاعة باتاكلان للحفلات الموسيقية، وملعب فرنسا، ومطاعم، ومقاهي في باريس. أسفرت الهجمات عن مقتل 130 شخصًا وإصابة أكثر من 350 آخرين. في ظل هذه الظروف، أثار الكشف عن دخول إحدى أبرز الشركات الصناعية الفرنسية في ترتيبات مالية مع إحدى أخطر المنظمات الإرهابية في العالم غضبًا شعبيًا عارمًا.

هل كانت المخابرات الفرنسية على علمٍ بمدفوعات شركة لافارج لتنظيم داعش؟

ازدادت القضية حساسيةً من الناحية السياسية بعد أن نشرت صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية في عام 2021 تقريرًا يفيد بأن أجهزة المخابرات الفرنسية كانت على علمٍ بمدفوعات شركة لافارج لتنظيم داعش وجماعات مسلحة أخرى. ووفقًا لتحقيقٍ آخر أجرته “ليبراسيون”، التقى جان كلود فيار، مدير الأمن في لافارج، بمسؤولين في المخابرات الفرنسية 33 مرة على الأقل بين عامي 2012 و2014. وادعى أن الشركة كانت تُزوّدهم بانتظام بمعلوماتٍ حول الأوضاع في شمال سوريا وأنشطة الجماعات المسلحة. وخلال المحاكمة التي جرت بين عامي 2025 و2026، أدلى كريستيان هيرو، المدير التنفيذي السابق في لافارج، بشهادته أيضًا بأنه أبلغ السفير الفرنسي لدى سوريا باتصالات الشركة ومدفوعاتها لتنظيم داعش، إلا أن المحكمة لم تُؤكد هذه الادعاءات أو تنفيها.

سعت شركة هولسيم السويسرية، التي اندمجت مع لافارج عام 2015، إلى النأي بنفسها عن القضية وتداعياتها القانونية. وتصر الشركة على أنها لم تكن على علم بالمدفوعات التي قُدمت لتنظيم داعش، وأن المسؤولية تقع على عاتق الإدارة السابقة لشركة لافارج. ولا تزال منظمات حقوق الإنسان متشككة في محاولات فصل هولسيم تمامًا عن هذه القضية. وصرحت آنا كيفر، من جمعية شيربا الفرنسية: “من الصعب تصديق أن قيادة هولسيم لم تكن على علم بأن الشركة التي كانت تخطط للاندماج معها كانت تدير منشأة في سوريا طوال فترة الحرب الأهلية. لا شك أن المسألة نوقشت، لكننا ببساطة لا نعرف أكثر من ذلك”.

https://eocr.eu/?p=13574

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

تابعنا على تويتر

مقالات ذات صلة

مكافحة الإرهاب في المانيا ـ ما دلالات ارتفاع مستوى التهديد الإرهابي؟

مكافحة الإرهاب في المانيا ـ ما دلالات ارتفاع مستوى التهديد الإرهابي؟

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا مكافحة الإرهاب في المانيا ـ ما دلالات ارتفاع مستوى التهديد الإرهابي؟ تتجه ألمانيا إلى  توسيع صلاحيات الاستخبارات والشرطة الاتحادية في ظل ارتفاع مستوى التهديد الإرهابي عبر منحها أدواتٍ جديدةً تعتمد على الذكاء الاصطناعي والمراقبة...

مكافحة الإرهاب ـ إلى أين تتجه سياسات بريطانيا نحو الحرس الثوري الإيراني؟

مكافحة الإرهاب ـ إلى أين تتجه سياسات بريطانيا نحو الحرس الثوري الإيراني؟

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا مكافحة الإرهاب ـ إلى أين تتجه سياسات بريطانيا نحو الحرس الثوري الإيراني؟ تتجه المملكة المتحدة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية عبر حظر دعم الحرس الثوري الإيراني، في خطوة تستهدف مواجهة التهديدات المرتبطة بالتجسس والتخريب والإرهاب...

مكافحة الإرهاب في ألمانيا ـ ما حجم تهديدات إيران للأمن الداخلي؟

مكافحة الإرهاب في ألمانيا ـ ما حجم تهديدات إيران للأمن الداخلي؟

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا مكافحة الإرهاب في ألمانيا ـ ما حجم تهديدات إيران للأمن الداخلي؟ يواجه المشهد السياسي في ألمانيا حالة من القلق المتزايد عقب كشف تهديدات مرتبطة بإيران يأتي هذا التهديد في إطار قائمة تصفية ضمت 13 زعيمًا عالميًا، مما دفع الأجهزة...