المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا
تواجه ألمانيا أمام اختبار سياسي جديد مع اقتراب حزب “البديل من أجل ألمانيا” من احتمال الوصول إلى السلطة في ولاية للمرة الأولى، تبرز تساؤلات حول وتبحث السلطات والأحزاب الألمانية خيارات عدة، من عزل المعلومات الحساسة إلى تقليص التعاون المالي، وصولًا إلى استخدام أدوات دستورية استثنائية. لكن هذه الإجراءات قد تحمل مخاطر عكسية، إذ يمكن أن تعزز رواية اليمين الشعبوي عن إقصائه سياسيًا، بدلًا من احتوائه.
صعود اليمين المتطرف
في السادس من سبتمبر من العام 2026، من المتوقع أن يحقق حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) اختراقًا سياسيًا في البلاد. وإذا حصل حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف على أغلبية مطلقة في برلمان ولاية ساكسونيا أنهالت، فمن المرجح أن يصبح زيغموند رئيسًا لحكومة الولاية، وبذلك يكون حزبه قد اخترق “جدار الحماية” السياسي الذي أبقاه خارج جميع الحكومات الاتحادية وحكومات الولايات منذ تأسيسه عام 2013. وسيكون ذلك انتصارًا تاريخيًا لحزب “البديل من أجل ألمانيا” وصدمة للنظام السياسي الألماني. وبصفته رئيسًا لحكومة الولاية، ستكون إحدى أولى مهام زيغموند تولي الرئاسة الدورية السنوية للمؤتمر المنتظم لرؤساء حكومات الولايات الألمانية. وعادة ما تتضمن هذه المهمة زيارة إلى برلين وظهورًا مشتركًا مع المستشار الألماني.
والقول إن ألمانيا ستكون أمام وضع غير مسبوق سيكون أقل من الواقع. يقول المستشار الألماني فريدريش ميرتس: “حزب البديل من أجل ألمانيا يشكك في القرارات الأساسية التي اتخذتها جمهورية ألمانيا الاتحادية منذ عام 1949”. ولا يقتصر القلق على المستشار. فجميع الأحزاب الرئيسية الأخرى، إلى جانب قطاعات واسعة من الإعلام الألماني، ترى في حزب “البديل من أجل ألمانيا” تهديدًا للنظام الليبرالي الذي تأسس بعد الحرب. لكن إذا وصل الحزب إلى السلطة في إحدى الولايات للمرة الأولى، فلن تتمكن المؤسسة السياسية من إبقائه بعيدًا عنها. ورغم أن العلاقات الطبيعية قد تكون مستبعدة، على الأقل في المستقبل المنظور، فإن النظام الاتحادي الألماني يفرض حدًا أدنى من التعاون والدعم المتبادل. فكيف ستتعامل المؤسسة السياسية الألمانية مع ولاية يحكمها حزب “البديل من أجل ألمانيا”؟
طُرح هذا السؤال على مسؤولين في الحكومة الاتحادية وحكومات عدد من الولايات. وكان التردد في الإجابة لافتًا، خصوصًا داخل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) المنتمي إلى تيار يمين الوسط بزعامة ميرتس، وحليفه البافاري الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU). فقد رفض مسؤولون بارزون في الحزبين التعليق، أو اشترطوا عدم الكشف عن أسمائهم، ويبدو هذا التردد مفهومًا. فقد كان حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي يهيمنان في السابق على المساحة السياسية الواقعة إلى يمين الوسط. أما في العام 2026، فإن حزب “البديل من أجل ألمانيا” يقتطع جزءًا منها. وكان وزراء في حكومتي الحزب الاشتراكي الديمقراطي والخضر أكثر استعدادًا للحديث عن الاستراتيجية بشكل علني.
تركزت المحادثات التي أجريت لهذا التقرير على مصدر قلق واحد: الأمن الداخلي، ولا سيما حماية المعلومات الاستخباراتية، في ظل دعوة حزب “البديل من أجل ألمانيا” إلى إقامة علاقات أوثق مع روسيا بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين. أوضح الاشتراكي الديمقراطي غيورغ ماير، وزير الداخلية في ولاية تورينغن، إن حزب زيغموند لديه “قنوات جيدة” مع موسكو. ورغم عدم وجود دليل إرشادي حتى الآن لكيفية احتواء حكومة يقودها حزب “البديل من أجل ألمانيا”، فإن التفكير في برلين وعدد من عواصم الولايات تجاوز بالفعل مرحلة التصورات العامة.
السناريو الأول، اجتماعات منفصلة
إحدى الطرق للحد من وصول حزب “البديل من أجل ألمانيا” إلى المناقشات الحساسة قد تكون ببساطة إجراء المزيد من المناقشات. فإلى جانب اجتماع رؤساء حكومات الولايات الذي يُتوقع أن يترأسه زيغموند لمدة عام، تنسق الولايات الألمانية أعمالها بصورة منتظمة من خلال شبكة من “مؤتمرات” الوزراء. ومن أهمها مؤتمر وزراء الداخلية، حيث تُناقش بعض أكثر القضايا إلحاحًا في مجال الأمن والاستخبارات. ويجري بحث احتمال الإبقاء على الاجتماعات المنتظمة لوزراء الداخلية، مع تنظيم اجتماعات منفصلة للقضايا شديدة الحساسية. ولن يشارك في هذه الاجتماعات سوى وزراء الداخلية الخمسة عشر الآخرين، من دون ممثل ولاية ساكسونيا أنهالت. وأكد عدد من الوزراء هذا السيناريو الافتراضي وتستند الفكرة إلى ممارسة راسخة منذ فترة طويلة في السياسة الألمانية.
تُقسم حكومات الولايات بصورة غير رسمية إلى ما يسمى ولايات “A” و”B”، تبعًا للتيار السياسي الذي يمتلك الأغلبية الحاكمة: حكومات يقودها الحزب الاشتراكي الديمقراطي من جهة، وحكومات محافظة من جهة أخرى. وقبل المؤتمرات الرئيسية، ينسق كل معسكر مواقفه داخليًا. وبتطبيق هذا النموذج على حزب “البديل من أجل ألمانيا”، ستوضع الحكومة المنبوذة سياسيًا في جانب، بينما تقف جميع الحكومات الأخرى في الجانب المقابل. وقال كريستوف ديغنهارت، أستاذ القانون الدستوري الفخري والقاضي السابق في المحكمة الدستورية في ساكسونيا، إن الفكرة ممكنة بالتأكيد. وأضاف: “لكن إلى أي مدى سينجح ذلك، وما إذا كانت المحاكم ستتسامح معه، فهذه مسألة أخرى بالطبع”.
السيناريو الثاني، جدار الحماية
تتمثل إحدى أكبر المخاوف بشأن حزب “البديل من أجل ألمانيا” في قربه من موسكو، وفقًا لماير. ويتمثل قلق الوزير الأساسي في احتمال تولي الحزب وزارة الداخلية. فمن يدير هذه الوزارة، بحسب ماير، يحصل على إمكانية الوصول إلى معلومات شديدة السرية. ومع ذلك، فإن استبعاد الولاية بأكملها من شبكة الاستخبارات الداخلية الألمانية لن يكون ممكنًا، لأن حماية الأمن العام، بما في ذلك مواجهة الهجمات الإرهابية، تحول دون ذلك. وقال الوزير: “لكن يمكننا بناء جدران داخل أنظمة المعلومات المشتركة، أي حواجز تمنع وصول معلومات معينة”. وعندما سُئل ماير عن المعلومات التي يمكن حجبها، قال: “علينا أن نبقي جميع المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالتطرف اليميني والمجال الكامل للتجسس بعيدًا عن حزب البديل من أجل ألمانيا”. وأضاف أن مثل هذا “التقسيم الوقائي” ممكن من الناحية القانونية، مستندًا إلى مشورة قانونية حصل عليها. كما يمكن تنفيذه بسرعة نسبيًا. وقال: “تشكيل الحكومة لن يحدث بين ليلة وضحاها”.
رفض باتريك هار، المتحدث باسم فرع حزب “البديل من أجل ألمانيا” في ساكسونيا أنهالت، جميع الاتهامات بوجود تقارب مع روسيا. وأضاف: “نحن نتحدث مع الجميع، سواء في الغرب أو الشرق. وهذا لا يعني أننا سنسلم ملفات. ومن يقول خلاف ذلك فهو يتحدث هراء. وإذا وصلنا إلى مثل هذه المعلومات، فإننا ندرك مسؤوليتنا كحزب في الحكومة”. لكن كونستانتين فون نوتس، النائب عن حزب الخضر في البرلمان الاتحادي ونائب رئيس لجنة الرقابة الاستخباراتية، أشار إلى تجربة حزب الحرية النمساوي اليميني المتطرف (FPÖ) في الحكومة بوصفها مثالًا تحذيريًا. فبعد دخوله الحكومة عام 2017، تولى الحزب وزارة الداخلية. وفي العام التالي، داهمت الشرطة جهاز الاستخبارات الداخلية النمساوي وصادرت بيانات حساسة، من بينها معلومات مصدرها أجهزة استخبارات حليفة. وعقب ذلك، حد شركاء الاستخبارات الغربيون من تبادل المعلومات السرية، بينما انسحب الجهاز النمساوي مؤقتًا من مجموعات العمل التابعة لنادي برن، وهو شبكة غير رسمية لأجهزة الاستخبارات الغربية تعمل بصورة تطوعية.
يوضح فون نوتس إن ألمانيا قد تواجه وضعًا مشابهًا في ظل حكومة يقودها حزب “البديل من أجل ألمانيا”، إذا اشتبه حلفاء البلاد، مثلًا، في إمكانية وصول روسيا إلى قاعدة البيانات التي تستخدمها أجهزة الاستخبارات الداخلية الألمانية لتبادل المعلومات حول المتطرفين والجواسيس والتهديدات الأمنية الأخرى. وحذر السياسي المنتمي إلى حزب الخضر قائلًا: “البريطانيون والأمريكيون والبولنديون والأوكرانيون ـ لن يشارك أحد معنا المعلومات بعد الآن، خوفًا من أن يتم نقل كل شيء إلى موسكو”.
السيناريو الثالث: قطع التمويل
هناك أداة أخرى أشار إليها كل من شخصيات في حزب “البديل من أجل ألمانيا” وخصومه، وهي نظام المعادلة المالية في ألمانيا، الذي يساعد الولايات الأفقر من خلال أموال تأتي من الولايات الأكثر ثراءً، إضافة إلى أموال اتحادية. وتعتمد ساكسونيا أنهالت على هذا النظام منذ عقود. وفي عام 2025، حصلت الولاية على نحو 2.8 مليار يورو، وفقًا لأرقام أولية، وهو ما يعادل قرابة خُمس ميزانيتها. وقد يكون خفض هذه المدفوعات أو حتى وقفها وسيلة لجعل حياة حكومة يقودها حزب “البديل من أجل ألمانيا” أكثر صعوبة، أو لإجبار الحزب على التصرف بطريقة تراها المؤسسة السياسية مقبولة. وينظر فرع الحزب في ساكسونيا أنهالت إلى هذا السيناريو باعتباره خطرًا حقيقيًا. لكن العقبات القانونية ستكون كبيرة.
اختار دانيال باياز، وزير المالية المنتمي إلى حزب الخضر في ولاية بادن فورتمبيرغ، إحدى الولايات المساهمة الأكثر ثراءً، كلماته بعناية. وقال: “نظام المعادلة المالية راسخ في الدستور، وليس أداة يمكن تغييرها ببساطة وفقًا للظروف السياسية”. ثم أضاف تحفظًا، موضحًا أن الدولة الاتحادية القائمة على التضامن تعتمد على التزامات مشتركة بسيادة القانون. وإذا شككت حكومة إحدى الولايات في هذه المبادئ، أو اتبعت مسارات خاصة تثير إشكالات قانونية، فإن ذلك سيؤثر في الثقة والتعاون مع الحكومة الاتحادية والولايات الأخرى، “بما في ذلك في المسائل المالية”. وأكد المتحدث باسم باياز أن هذا تقييم شخصي للوزير وليس موقفًا متفقًا عليه لحكومة الولاية، التي يقودها ائتلاف من حزب الخضر مع حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي شريكًا أصغر.
السيناريو الرابع: المادة 37
أقوى أداة دستورية تتمثل في ما يعرف بـ”الإكراه الاتحادي” (Bundeszwang). وبموجب المادة 37 من القانون الأساسي الألماني، يمكن للحكومة الاتحادية، بموافقة مجلس الولايات (Bundesrat)، اتخاذ “الإجراءات اللازمة” لإجبار إحدى الولايات على الوفاء بالتزاماتها القانونية. وبعبارة مبسطة، يمكن لبرلين إجبار حكومة إحدى الولايات على الالتزام بالقانون الاتحادي. ولم يُستخدم هذا النص الدستوري من قبل. وخلال إعداد هذا التقرير، لم يذكره أي من الأشخاص الذين تمت مقابلتهم من تلقاء نفسه، ربما اقتناعًا بعدم ملاءمته، وربما خوفًا من أن يؤدي مجرد طرحه إلى خدمة حزب “البديل من أجل ألمانيا” قبل الانتخابات.
وفي الأوساط الفكرية اليمينية داخل الحزب، يُنظر منذ فترة طويلة إلى الإكراه الاتحادي باعتباره سيناريو واقعيًا. ولا يمكن سوى التكهن بما قد يؤدي إلى تفعيل هذا الإجراء. فإذا فشلت حكومة يقودها حزب “البديل من أجل ألمانيا” في ساكسونيا أنهالت، مثلًا، في توفير حتى الاحتياجات الأساسية لطالبي اللجوء، فقد تتدخل الحكومة الاتحادية بإصدار أوامر ملزمة لإعادة هذه الخدمات، وصولًا إلى تعيين مفوض اتحادي يتمتع بصلاحية إصدار التعليمات إلى الولاية وجميع أجهزتها.
أيًا كان ما ستفعله المؤسسة السياسية الألمانية لاحتواء أول حكومة يقودها حزب “البديل من أجل ألمانيا”، فإن المخاطر واضحة. فالإجراءات الرامية إلى الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية قد تعزز المظلمة الأساسية للحزب وكثير من ناخبيه، وهي أن المؤسسة السياسية ترفض قبول الحزب حتى عندما يفوز. وأصبح الرأي العام حول هذه المسألة أكثر انقسامًا مما كان عليه في السابق. فقد أظهر استطلاع للرأي أُجري في يوليو من العام 2026 أن 42 بالمئة فقط من الألمان ما زالوا يرون أن رفض الحزب الاشتراكي الديمقراطي والاتحاد الديمقراطي المسيحي التعاون مع حزب “البديل من أجل ألمانيا” هو الموقف الصحيح. وأظهر استطلاع آخر أن التأييد لاستراتيجية استبعاد الحزب تراجع إلى 46 بالمئة، مقابل 54 بالمئة في بداية عام 2025.
قد يكون عدم القيام بأي شيء استثنائي الخيار الأكثر أمانًا للأحزاب التقليدية. فقد أمضى حزب “البديل من أجل ألمانيا” سنوات يستفيد من وجوده في المعارضة، محولًا أخطاء منافسيه ووعودهم غير المنفذة إلى وقود سياسي. لكنه لم يحكم من قبل. وبمجرد وصوله إلى السلطة، قد يجد نفسه غارقًا في عدم الكفاءة والصراعات الداخلية، وهو ما قد يوفر على خصومه الحاجة إلى اتخاذ تدابير دفاعية خاصة.
المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا



