المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا
جماعة الإخوان المسلمين تشكل بيئة خصبة للتطرف العنيف
تظل الهجمات الإرهابية مصدر قلق رئيسيًا يهيمن على الساحة الأوروبية والدولية، حتى في ظل اندلاع عدة صراعات حول العالم، وتصاعد حرب تجارية عالمية، وتفاقم الأزمات البيئية، ففي العام 2025، شهد العالم أكثر من 80 حادثة إرهابية كبيرة، نفّذ العديد منها جماعات كتنظيم داعش، وجماعات القاعدة والفروع التابعة لها في مناطق متعددة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان. ومع ذلك، على مدى العقد الماضي، تراجع الاهتمام بمكافحة الإرهاب كجهد منسق متعدد الجنسيات بهدوء ضمن قائمة الأولويات العالمية، في ظل انشغال العواصم الكبرى بقضايا مثل الاقتصاد، التغير المناخي، والتوترات بين القوى الكبرى. وأحدث دليل على هذا التراجع انسحاب الولايات المتحدة رسميًا من المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، وهو تجمع دولي يهدف إلى تنسيق الجهود بين الدول في مواجهة التهديدات الإرهابية العابرة للحدود.
ما علاقة داعش والقاعدة بجماعة الإخوان المسلمين؟
أوحى سقوط ما يسمى بـ “الخلافة” لتنظيم داعش وتراجع العمليات العسكرية الغربية واسعة النطاق في العراق وأفغانستان للعديد من العواصم بأن عصر التطرف المنظم يقترب من نهايته. لكن الواقع مختلف تمامًا. فبالرغم من الخسائر العسكرية الكبيرة التي تكبدتها هذه الجماعات وفقدانها للمناطق التي كانت تسيطر عليها، إلا أن بنيتها الفكرية والتنظيمية ما تزال قائمة، وقد وجدت الجماعات الأخرى طرقًا للتكيف مع البيئات الجديدة والانتقال من المواجهة العسكرية التقليدية إلى الإرهاب الانتقائي، الهجمات الفردية، والدعاية الرقمية. يشهد العالم صعودًا في نشاط الجماعات الجهادية واليمينية المتطرفة، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني العالمي.
لا تزال جماعات مثل داعش، والقاعدة، وفروعها المختلفة نشطة وتهدد الأمن في مناطق متعددة، خاصة في البيئات الهشة حيث ضعف الدولة وانعدام الاستقرار السياسي يوفر أرضية خصبة للتجنيد والإرهاب. وعلى الرغم من أن هذه الجماعات تختلف فيما بينها على النفوذ والأيديولوجيا، إلا أنها تشترك في صلة تربطها بجماعة الإخوان المسلمين، التي تُعد حاضنة أيديولوجية أساسية للتطرف. كان القرار الأخير للولايات المتحدة في يناير 2026 بتصنيف فروع جماعة الإخوان في الأردن ومصر ولبنان كمنظمات إرهابية خطوة ضرورية لاستعادة الوضوح الاستراتيجي في الجهد العالمي لمكافحة التطرف العنيف.
توسع أنشطة الإخوان في أوروبا والعالم
استغلت الجماعة على مدى عقود صورتها السياسية والاجتماعية لتوفير غطاء أيديولوجي للتطرف، ومنحت بعض العناصر العنيفة مبررًا أخلاقيًا لدعم أعمالهم. وبذلك، أسهمت في نشر الفكر المتطرف عبر الشبكات الاجتماعية والأنشطة الخيرية والسياسية، وخلطت الخط الفاصل بين النشاط السياسي المشروع والنشاط المتطرف. غالبًا ما يُساء تمثيل جماعة الإخوان على أنها حركة سياسية أو اجتماعية بحتة، لكنها في الواقع لعبت دورًا مركزيًا في تأجيج التطرف. فالعقائد التي تتبناها الجماعة ولّدت أفكارًا متطرفة انتشرت في مناطق عدة من العالم، من الفلبين إلى مالي، مرورًا بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بل وحتى في أوروبا وأمريكا الشمالية حيث يُستغل الغموض القانوني والسياسي لتوسيع نشاطها الدعوي والتجنيدي. إن التعامل مع الإخوان على أنهم تنظيم يتبنى الديمقراطية لمجرد أن قادتها يتظاهرون بأنهم سياسيون بدلًا من قادة لتنظيمات وفروع تنشر أفكار متطرفة كان ظاهرة خطيرة استغلتها الجماعة لنشر التطرف، وتجنيد الشباب الضعفاء فكريًا أو اجتماعيًا.
جماعة الإخوان مشروع أيديولوجي عابر للحدود
تعترف الولايات المتحدة بأن مكافحة الإرهاب ليست مشروعًا مؤقتًا يمكن تجاهله بعد انهيار تنظيم داعش أو تراجع العمليات العسكرية الكبرى في الشرق الأوسط، بل هي مهمة مستمرة تتطلب يقظة مستمرة واستجابة استراتيجية طويلة الأمد. فالنظام الذي يدعم الجماعات المتطرفة لا يزال قائمًا، سواء من خلال الهجمات الإرهابية، التجنيد، التمويل غير المشروع، أو النشاط الدعوي الذي يُغذي التطرف. داعش والقاعدة لا يزالان يجذبان الشباب ويُلهمانهم عبر الدعاية الرقمية، والعمليات الانتقامية، بينما تستمر جماعة الإخوان كمشروع أيديولوجي عابر للحدود. على سبيل المثال، تُعرف الجماعة بنشاطها في اليمن، حيث ساعدت شبكة العلاقات الدولية والإقليمية في توسيع نفوذها، وقد يتيح الوضع في اليمن فرصة لإعادة التمركز للقاعدة في جزيرة العرب وكذلك للإخوان لتعزيز نفوذها. فجوة السلطة الناتجة عن الانسحابات العسكرية نادرًا ما تكون محايدة، بل تتصارع عليها الأطراف الأكثر استعدادًا لاستغلال الفوضى والمظالم الاجتماعية والسياسية.
تتطلب تدابير وإجراءات مكافحة الإرهاب يتطلب تعاونًا دوليًا واسعًا، حيث لا يمكن لأي دولة مواجهة التهديد بمفردها. فشبكات التطرف العابرة للحدود تستفيد من ضعف التنسيق الدولي، من خلال استخدام التكنولوجيا، التمويل، واللاجئين، ومنصات التواصل الاجتماعي لنشر الفكر المتطرف. كما أن بيئات الصراع المفتوحة، مثل اليمن، الصومال، ليبيا، وسوريا، توفر ملاذًا آمنًا لتنظيمات مثل القاعدة وداعش، ما يزيد من ضرورة استمرار اليقظة وتكثيف الجهود المشتركة لمكافحة الإرهاب.
المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا



