اليمين المتطرف ـ لماذا يعود إلى ألمانيا مجددا؟
اليمين المتطرف

مارس 27, 2024 | دراسات

 المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

لماذا يعود اليمين المتطرف إلى ألمانيا مجددا؟

اندبندنت عربية ـ ظن الألمان أن بلادهم باتت محصنة ضد القومية بعد أن تجرعت مرارة الماضي، لكنهم أخطأوا

يستفيق الشعب الألماني اليوم على ضرورة التصدي لصعود حزب “البديل من أجل ألمانيا” المتطرف درءاً للأخطار التي اختبرها الشعب جيداً تاريخياً أكثر من غيرهعندما شاركت سابين ثونكيه في تظاهرة أقيمت أخيراً في برلين ضد حزب اليمين المتطرف في ألمانيا، كانت المرة الأولى منذ سنوات التي تشعر فيها بأمل أن يتم الحد من زيادة نفوذ المتطرفين في بلادها.شهدت ثونكيه، البالغة من العمر 59 سنة، على صعود حزب “البديل من أجل ألمانيا” بقلق شديد. وبعد أن علمت بخطة ترحيل ملايين الأشخاص، شعرت أن الوقت قد حان لتتحرك.

وأفادت ثونكيه: “لم أظن أنه سيأتي يوم أرى فيه مثل هذه الأفكار اللاإنسانية تكتسب شعبية في ألمانيا مجدداً. بل كنت أظن أننا تعلمنا من دروس الماضي”.لقد ظن عدد كبير من الألمان بأن بلادهم باتت محصنة ضد القومية والتفوق العرقي، بعدما كافحوا أهوال ماضيها النازي، من خلال التعليم وسن القوانين التي من شأنها كبح الاضطهاد.فإذا أجريت انتخابات اليوم، لبرز حزب “البديل من أجل ألمانيا” كثاني أكبر حزب، وذلك وفقاً لاستطلاعات الرأي.

ولكن استطلاعات الرأي المحلية تخفي انقساماً متجذراً، إذ يحظى بدعم غير متناسب وبخاصة في المقاطعات الشرقية في ألمانيا التي كانت شيوعية سابقاً والتي تعد أقل ازدهاراً اقتصادياً.فبعد سقوط الشيوعية عام 1989 وتوحيد ألمانيا الشرقية والغربية بعد سنة، خسر عدد كبير من الناس في المقاطعات الشرقية الخمس ليس وظائفهم فحسب، بل أيضاً ماضيهم المشترك، مما جعلهم مشوشين وعاجزين أمام النظام الرأسمالي.

ويعزى صعود حزب “البديل من أجل ألمانيا” إلى مشاعر الغضب من التضخم والأهم، من ظاهرة الهجرة المتزايدة. ففي عام 2023، تلقى الاتحاد الأوروبي 1.1 مليون طلب لجوء، وهو أعلى رقم منذ عام 2015. وحصلت ألمانيا على أكبر عدد من الطلبات تجاوزت 300 ألف طلب لجوء للاجئين معظمهم من سوريا وأفغانستان وتركيا. كما استقبلت البلاد أكثر من مليون لاجئ أوكراني نزحوا بسبب الغزو الروسي.

يدعم الناخبون في ألمانيا والدول الأوروبية بصورة متزايدة أحزاباً قومية يمينية متطرفة تعد بالحد من الهجرة وتقييدها، وفي بعض الحالات، وبتقييد الحريات الديمقراطية من قبيل حرية الدين والتعبير والحق في الاحتجاج. وقد برزت هذه الأحزاب في فرنسا وإيطاليا وهولندا والنمسا.

دروس مستقاة من الحرب العالمية الثانية

في أعقاب عام 1945، نشأ الألمان الغربيون على مبدأ توجيهي مفاده أنه “لن تكون ديكتاتورية على الأراضي الألمانية مجدداً”. وقام زعماء ألمانيا الغربية بزيارة إسرائيل أكثر من مرة واعتذروا للدول التي احتلها النازيون، في حين جرى تنظيم زيارات لتلامذة المدارس إلى معسكرات الاعتقال أو النصب التذكاري للمحرقة.ولكن في المقاطعات الشرقية التي أعلنت مناهضتها للفاشية، تعلم الشباب أنهم هم وحدهم أحفاد ضحايا النازية.

ونشأت ثونكيه، التي تعمل في مصلحة المياه في برلين، في بافاريا، التي كانت جزءاً من ألمانيا الغربية قبل التوحيد عام 1990. وقالت إنها لم تتحدث كثيراً مع أجدادها – جيل النازيين – عما حدث خلال الرايخ الثالث (أو الإمبراطورية الثالثة)، لكنها درست في المدرسة صعود أدولف هتلر للسلطة والمحرقة.وأشارت إلى أن اليمين المتطرف اليوم يستخدم أساليب مماثلة، مستغلاً مخاوف الناس لكسب ثقتهم وأصواتهم.

وأضافت: “أتفهم أن كثيراً قد سئموا من كل الأزمات المتلاحقة كجائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا، والعدد المتزايد للمهاجرين، والتضخم – وأنهم يخشون أن تتفاقم هذه الأوضاع. لكن الحلول التي يقدمها ’حزب البديل من أجل ألمانيا‘ لن تحل أياً من هذه المشكلات”.

وتظهر استطلاعات الرأي أن “حزب البديل من أجل ألمانيا” هو الحزب الأكثر شعبية في المقاطعات الشرقية مثل ساكسونيا وثورينجيا بدعم يصل قرابة 35 في المئة. وستجرى انتخابات في كلتا المقاطعتين في الخريف المقبل، إلى جانب مقاطعة براندنبورغ الشرقية، حيث يتوقع أن يحقق هذا الحزب مكاسب قوية أيضاً، إذ يحظى بمستويات قبول قوية، لا سيما بين الرجال، وبصورة متزايدة، الناخبين الأصغر سناً.

وفي آخر انتخابات محلية شهدتها هيسي وبافاريا في أكتوبر (تشرين الأول)، حصد هذا الحزب مكاسب مهمة بين الناخبين ممن تبلغ أعمارهم 24 سنة أو أقل، ويرى الخبراء أن هذه المكاسب تحققت بفضل الإحباط الذي يشعر به الناخبون الشباب إزاء قضايا مثل الهجرة وكذلك بفضل الوجود الذكي والقوي للحزب على الإنترنت، إذ يشكل الرجال نحو ثلثي الناخبين.

واستغل الحزب الإحباط الكبير الذي يشعر به الناخبون تجاه المستشار أولاف شولتز الذي وصلت حكومته إلى دفة الحكم قبل أكثر من عامين وبأجندة تقدمية حداثية، لكن كثراً ينظرون إليها الآن على أنها غير عملية وعاجزة عن تحقيق أي إنجازات.ويعتبر فرع حزب “البديل من أجل ألمانيا” في ثورينجيا متطرفاً خصوصاً وقد جرى وضعه تحت المراقبة الرسمية من قبل جهاز الاستخبارات المحلي قبل أربع سنوات باعتباره “يمينياً متطرفاً”.

وتبنى قائد حزب “البديل من أجل ألمانيا” في ثورينجيا، بيورن هوك، في أوقات مختلفة وجهات نظر رجعية حول ماضي ألمانيا النازي. وفي عام 2018، وصف النصب التذكاري للمحرقة في برلين بأنه “وصمة عار” ودعا ألمانيا إلى تغيير نظرتها إلى الماضي كلياً.

وقال ينس كريستيان فاغنر، المؤرخ وعضو مجلس مؤسسة بوخنفالد التذكارية، وهو معسكر اعتقال سابق في ثورينجيا شهد مقتل ما يربو على 56 ألف شخص على يد النازيين: “حزب ’البديل من أجل ألمانيا‘ هو حزب قومي، والقوميون يريدون أن يفخروا بتاريخهم، وأي شخص يريد أن يعبر عن فخره واعتزازه بالتاريخ الألماني يجب بالطبع أن يقلل من أهمية الجرائم النازية المخزية أو يحط من شأنها أو حتى ينكرها ليتسنى له سرد قصة الوطن العظيم”.

وحول تصاعد الهجمات على معسكر الاعتقال السابق بصورة كبيرة في الأشهر الأخيرة، أوضح فاغنر أن السبب في ذلك يعود إلى “الشعارات الرجعية والمعادية للسامية والعنصرية” التي يروج لها حزب “البديل من أجل ألمانيا”.

نداء الصحوة

شهدت ألمانيا منذ يناير (كانون الثاني) موجة من الاحتجاجات المناهضة لليمين المتطرف، أثارها تقرير يفيد بأن المتطرفين اليمينيين عقدوا اجتماعاً لمناقشة ترحيل ملايين المهاجرين، بمن فيهم بعض المهاجرين الحاملين الجنسية الألمانية.وحضر أعضاء حزب “البديل من أجل ألمانيا” الاجتماع، إلى جانب مارتن سيلنر، وهو شاب نمسوي يتمتع بقوة الإقناع وينتمي لتيار النازية الجديدة وسبق أن دين في أعمال تطرف عنيف.

ومن الغريب أن الاجتماع المنعقد في نوفمبر (تشرين الثاني) كان شبيهاً جداً بمؤتمر وانسي، عندما وافق النازيون على ما يسمى “الحل النهائي” والمقصود به شن اعتقالات بصورة منهجية أدت إلى مقتل 6 ملايين يهودي.وانعقد الاجتماع الأخير سراً في فيلا قريبة من العاصمة الألمانية، وهو اجتماع شبيه بالذي انعقد في شتاء عام 1942 وضم كبار المسؤولين النازيين سراً داخل فيلا على ضفاف بحيرة خارج برلين.

وأسبوعاً تلو الآخر، تظاهر ملايين الألمان احتجاجاً على هذه التوجهات، مشاركين في فعاليات بشعارات مثل “لن يتكرر أبداً”، “ضد الكراهية”، و”دافعوا عن الديمقراطية”.واستقطبت التظاهرات مئات الآلاف من المشاركين في وقت واحد داخل مدن مثل برلين وميونيخ وهامبورغ أو دوسلدورف– وقد كان عددهم كبيراً لدرجة أن السلطات اضطرت إلى إنهاء بعض المسيرات مبكراً بسبب مخاوف تتعلق بسلامة الشوارع التي اكتظت بالمتظاهرين.

وشارك كثر أيضاً في احتجاجات جرت في بلدات أصغر، بل وعقدوا وقفات احتجاجية أسبوعية في أحيائهم للتعبير عن إحباطهم إزاء تنامي الدعم لليمين المتطرف الشعبوي في صناديق الاقتراع.وانضم أكثر من 2.4 مليون شخص إلى حركة الاحتجاجات ضد حزب “البديل من أجل ألمانيا” التي انطلقت في منتصف يناير، وفقاً لوزارة الداخلية الألمانية. ويقدر منظمو التظاهرات أن أكثر من 3.6 مليون شخص قد شاركوا فيها.

وكانت ثونكيه من بينهم، إذ ذهبت إلى تجمعين مؤيدين للديمقراطية في برلين، وكانت تشعر باطمئنان وراحة بال لأن البلاد بدأت “تصحو” على حد قولها.وقالت: “لم يعد لديَّ هذا الشعور بالعجز الذي كنت أشعر به خلال السنوات الماضية أثناء مشاهدة صعود ونجاح حزب ’البديل من أجل ألمانيا‘”، مشيرة إلى أنه على الحكومة أن تبذل جهوداً أكبر.وأكدت: “تحتاج الحكومة إلى إيجاد حلول لأزمة الهجرة، وإلا سيستمر حزب ’البديل من أجل ألمانيا‘ في استغلال هذه القضية لمصالحه الخاصة ويزداد قوة”.

وانتهت موجات سابقة من الاحتجاجات ضد حركة بيغيدا المناهضة للإسلام والهجرة في نهاية المطاف، على رغم أنها لم تكن واسعة النطاق مثل الحركة المناهضة لحزب “البديل من أجل ألمانيا” التي تتزايد قوتها.لا يزال حزب “البديل من أجل ألمانيا” يحقق نجاحات متتالية. ففي ديسمبر (كانون الأول)، حقق إنجازاً مهماً آخر عندما فاز مرشحه لأول مرة في انتخابات رئاسة بلدية في بيرنا وهي بلدة متوسطة الحجم بمنطقة ساكسونيا.

ويتطلع الحزب الآن إلى انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران). إذا أرادت ثونكيه والمحتجون معها صد اليمين المتطرف، فسيتعين عليهم إقناع مواطنيهم ليس فقط بالاحتجاج، ولكن أيضاً بالمشاركة بأعداد هائلة في صناديق الاقتراع.

رابط مختصر.. https://eocr.eu/?p=11734

 المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

تابعنا على تويتر

مقالات ذات صلة

مكافحة الإرهاب في فرنسا ـ تشديد الإجراءات الأمنية أمام المدارس الدينية

مكافحة الإرهاب في فرنسا ـ تشديد الإجراءات الأمنية أمام المدارس الدينية

 المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا فرنسا تشدد الإجراءات الأمنية أمام المدارس الدينية ودور العبادة استعدادا لعيد الفصح mc-doualiya - غداة هجوم إيران على إسرائيل واستعدادا لعطلة عيد الفصح اليهودي، شددت فرنسا إجراءاتها الأمنية من خلال وضع حراسة ثابتة أمام المدارس...

الاتحاد الأوروبي ـ مساع أوروبية لزيادة تمويل السودان

الاتحاد الأوروبي ـ مساع أوروبية لزيادة تمويل السودان

 المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا مع مرور عام على الحرب.. مساع أوروبية لزيادة تمويل السودان الحرة - يسعى وزراء خارجية فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي إلى جمع مزيد من التمويل للسودان، الاثنين، عندما يجتمعون في باريس بالتزامن مع الذكرى الأولى لاندلاع الصراع.ولا...

مكافحة الإرهاب في ألمانيا ـ مخاوف متصاعدة

مكافحة الإرهاب في ألمانيا ـ مخاوف متصاعدة

 المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا ألمانيا- توقيف ثلاثة أشخاص بشبهة الإرهاب DW - قال مكتب المدعي العام في دوسلدورف إن ثلاثة شباب أودعوا السجن "للاشتباه بقوة" في "التخطيط لشن هجوم إرهابي بدوافع إسلاموية". وتم تنفيذ عمليات تفتيش واعتقال بناء على طلب مكتب ملاحقة...

Share This