المقاتلون الأجانب ـ محاكمات مقاتلي “داعش” في سوريا

يونيو 16, 2023 | دراسات

 المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

محاكمات مقاتلي “داعش” في شرق سوريا.. إعلان يطلق سؤالين

الحرة ـ ألقت “الإدارة الذاتية” الكردية في شمال وشرق سوريا بحجرٍ في المياه الراكدة لقضية مقاتلي “داعش” المحتجزين لديها، معلنة قبل يومين قرارها بالبدء في محاكمتهم، مما يطلق سؤالين أجاب عليهما حقوقيون وباحثون ومسؤولون لموقع “الحرة”.يتعلق السؤال الأول بالهدف الكامن وراء هذا القرار الذي أعلنته “الإدارة الذاتية” في الوقت الحالي، فيما يرتبط الآخر بمدى إمكانية الأخيرة تطبيق ذلك على أرض الواقع، وما إذا كانت خطوتها فردية أم بدوافع تتعدى حدود مناطق سيطرتها.وجاء في بيان رسمي للإدارة الكردية أن “المحاكمات ستكون علنية وعادلة وشفافة، بما يحفظ حقوق المدعين من الضحايا وأفراد أسرهم”.

وأوضحت الإدارة أن “قرارها جاء بسبب عدم تلبية المجتمع الدولي لنداءات ومناشداتها للدول لاستلام مواطنيها من التنظيم، وإحقاقا للحق، وإنصافا للضحايا، وتحقيقا للعدالة الاجتماعية”.وتحتجز “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية أكثر من 10 آلاف من مقاتلي “داعش” الأسرى في حوالي 20 مركز احتجاز، ومن بين هؤلاء 2000 أجنبي رفضت بلدانهم الأصلية إعادتهم إلى أوطانهم.ولم يصدر أي تعليق من جانب أعضاء التحالف الدولي الذي يدعم “قسد” في شمال شرق سوريا بشأن قرار البدء بالمحاكمات، في وقت دعت “الإدارة الذاتية” المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية والمحلية، “للانخراط بشكل إيجابي والتواجد وتقديم الدعم خلال جميع مراحل المحاكمات”.

لماذا الآن؟

ويعتبر ملف معتقلي “داعش” من قيادات وعناصر الأكبر والأبرز الذي يتصدر مشهد مناطق شمال وشرق سوريا، منذ القضاء على التنظيم في آخر معاقله في الباغوز بريف دير الزور، عام 2019.ومنذ تلك الفترة وجهت “الإدارة الذاتية” دعوات للدول الأجنبية لإيجاد حل لهذا الملف، فيما نادت الدول الأجنبية بضرورة سحب الأسرى الذين يحملون جنسياتهم، الأمر الذي لاقى استجابات فردية، بعيدا عن تحرك جماعي.وعشرات المساجين لدى “قسد” أوروبيون من دول مثل بلجيكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، لكن أكثرهم يتحدرون من الشرق الأوسط، بما في ذلك مصر وتونس واليمن.

وسبق أن قال مسؤولون أميركيون إن “القوة الكردية التي تحتجز مقاتلي داعش لا تملك القدرة على التحقيق معهم أو محاكمتهم”.ويرى مسؤولو مكافحة الإرهاب الغربيون، حسب ما نقلت “نيويورك تايمز”، في مايو 2020، أنه كلما طالت فترة احتجاز المقاتلين الأجانب، “أصبحوا أكثر تطرفا وزادت احتمالات هروبهم بشكل جماعي”.كما تدير “قسد” أكثر من 10 مخيمات تأوي عشرات آلاف الأسر النازحة بسبب الصراع، بمن فيهم زوجات غير سوريات لمقاتلي داعش، وأطفالهم.

ويشمل ذلك معسكر الروج والهول الذي يقع على بعد حوالي 25 ميلا جنوب شرق الحسكة ويأوي حوالي 70 ألف شخص في ظروف مزرية للغاية.ويقول المحامي خالد إبراهيم، وهو عضو الهيئة الإدارية في دائرة العلاقات الخارجية لـ”الإدارة الذاتية”، إن “مسرح ومكان الجريمة في شمال شرق سوريا، والضحايا من أبناء المنطقة”، وإن “كل الأدلة الدامغة بحوزة مؤسسات الإدارة الذاتية”.واعتبر في حديث لموقع “الحرة” أن “المجتمع الدولي لم يحرك ساكنا ولم تكن له مواقف واضحة بخصوص إنشاء محاكم دولية خاصة لمحاسبة هؤلاء المجرمين الخطرين على مستوى العالم”.

ولذلك قررت الإدارة الكردية البدء بالمحاكمات، كون “بقاء المعتقلين مدة أطول رهن الاحتجاز يثقل كاهلها أمنيا وحقوقيا”.ويتابع إبراهيم: “ستكون المحاكمات وفق قوانين حقوق الإنسان الدولية، وستكون علنية مع النداء للمجتمع الدولي والمدني والحقوقي المحلي منه والعالمي الانخراط الإيجابي بما يحفظ حقوق المتداعين”.ولم تكشف “الإدارة الذاتية” عن القانون الذي ستمضي من خلاله بالمحاكمات، وأيضا مكان الجلسات ومراكز الاحتجاز طويلة الأمد بعد صدور الأحكام.ويشير رئيس مركز “رامان للبحوث والاستشارات”، بدر ملا رشيد، إلى أن “القرار المصرح به من الإدارة الذاتية يهدف إلى إثارة ملف عناصر تنظيم الدولة مرة أخرى”.

كما يهدف إلى “إعادته لأجندة الدول المنخرطة في الشأن السوري، إلى جانب دولهم الأًصلية”.وبدأت عمليات الأسر الواسعة بحق عناصر التنظيم منذ بداية عام 2015، ووصلت لذروتها عام 2018 مع القضاء على آخر نقاط سيطرة “داعش”.ويقول ملا رشيد لموقع “الحرة”: “هذا يعني بأن البعض من عناصر التنظيم معتقلون منذ ما يقارب 8 سنوات، وفي ظل هذا الواقع ترغب الإدارة الذاتية بإعادة تسليط الضوء على وجودها كفاعل أمني وعسكري، مع ضمن ما نشهده سواء من اجتماعات المعارضة السورية الرسمية المتمثلة بهيئة التفاوض”.

من جانب آخر يضيف الباحث أن “ملف عناصر داعش يمثل عبئا على السكان المحليين وعلى الإدارة الذاتية نفسها، ولا تتطرق الكثير من الدول الأصلية لهؤلاء العناصر لمصيرهم، في ظل تسارع خطوات التطبيع مع النظام السوري من قبل العديد من الأطراف”.

مفاجأة

وقال بدران جيا كرد، المسؤول في الإدارة الذاتية لوكالة “رويترز”، الاثنين، إن قانونا محليا لمكافحة الإرهاب جرى تعديله العام الماضي ليصبح أكثر شمولا سيستخدم لمحاكمة عناصر “داعش” المحتجزين.وذكر جيا كرد أنه سيكون للمتهمين “حق توكيل محامٍ” لكنه لم يفصح عما إذا كانت المحاكم ستعين محاميا لهم. ولا ينص قانون الإدارة الذاتية على إصدار أحكام الإعدام.وقال دبلوماسي غربي يعمل في سوريا للوكالة إن “قرار الإدارة الذاتية بخصوص بدء المحاكمات كان مفاجأة”. وطرحت الفكرة للنقاش في الماضي لكن نحيت جانبا لعدة أسباب أهمها المسائل المتعلقة بشرعية محكمة محلية تعمل بشكل منفصل عن حكومة النظام السوري.

وأضاف الدبلوماسي: “لم يعتقد أحد أنهم سيفعلون ذلك. نحن نأخذ الأمر على محمل الجد لأنهم يحتجزون الكثير من الناس، لكن هذه قضية منفصلة عن محاكمتهم. محاكمتهم أمر مختلف تماما”.من جهتها أوضحت ليتا تايلر، المتخصصة في شؤون مكافحة الإرهاب في منظمة “هيومن رايتس ووتش”، أنه يجب على المجتمع الدولي إما توفير الدعم للمحاكمات التي ستجري في شمال شرقي سوريا، بما في ذلك بالموارد، أو إجراء المحاكمات في دول المعتقلين أو في دولة ثالثة.

وقالت: “أي شيء غير ذلك لن يعتبر فقط انتهاكا لحقوق هؤلاء المعتقلين في الحصول على محاكمة عادلة، لكنه سيمثل أيضا صفعة على الوجه لضحايا تنظيم الدولة وأفراد أسرهم الذين يستحقون رؤية العدالة تتحقق في جرائم التنظيم”.ويشكل بقاء الكتلة الكبيرة من عناصر التنظيم بالإضافة لعوائل عناصره المحتجزين في مخيم الهول فتح المجال أمام “داعش” لإعادة تقييم وضعه، وفق الباحث بدر ملا رشيد.كما سيفتح المجال للتنظيم لمتابعة “ملف أشبال الخلافة عبر الحفاظ على تلقيهم قيمه وحفظ سرديته من النشأة إلى السقوط، وهو أحد أكثر الأمور حساسية حاليا”.

ما إمكانية التطبيق؟

ويوضح مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” الحقوقي السوري، بسام الأحمد، أن المحاكمات “لن تنجح من دون دعم المجتمع الدولي”، لأن هذا النوع “يتطلب نظاما قضائيا مختلفا”.ويقول الأحمد لموقع “الحرة”: “هناك عدد هائل من المتهمين والمشتبه بهم في منطقة تعيش النزاع منذ 12 عاما. لن تنجح دون رعاية دولية، أو على الأقل أن تقدم بعض الدول دعما تقنيا وقانونيا وماديا وأشياء كثيرة يمكن أن تساعد في حال كان هناك قرار جدي”.

ومن غير الواضح الأهداف الأساسية التي تسعى إليها “الإدارة الذاتية” من وراء إعلان البدء بالمحاكمات، إذ يضيف الأحمد: “قد يكون سياسيا أو ردة فعل على الدول التي ترفض أخذ رعاياها”.و”سيكون من الصعب جدا على الإدارة الذاتية السير بمحاكمة فعلية لهؤلاء العناصر”، كما يرى الباحث بدر ملا رشيد.ويوضح أن ما سبق “سيفتح الباب أمام مخاطر أمنية جديدة تتعلق بكيفية توفير الأماكن المناسبة لمحاكمتهم، وأعباء اقتصادية لا تمتلكها الإدارة الذاتية”.بالإضافة لانعدام السجون والكوادر المتمكنة من حراسة هذه الأعداد الضخمة.

أما من الناحية القانونية، يشير ملا رشيد بالقول: “سيكون الأمر أيضا صعبا في ظل غياب اعترافٍ رسمي بالإدارة الذاتية وغياب قضاة معروفين”.وهناك رأيين بشأن مدى إمكانية “الإدارة” الخوض بالمحاكمات على أرض الواقع.ويعطي الرأي الأول فكرة بأن “المحاكمات هي حكر على الدولة والحكومات بعيدا عن الجهات غير الحكومية” كما في حالة “الإدارة الذاتية”.ويفيد رأي آخر، وفق الحقوقي الأحمد أنه “ورغم عدم إمكانية سلطات الأمر الواقع تطبيق هذا الأمر، إلا أن ذلك مرهونا بشروط تتعلق بكيفية توفير المحاكم العادلة”.

“فكرة الخضوع لمحاكمات العادلة يتطلب عمل ومراقبين ودعم دولي لكي يكون الأمر عادلا وحياديا بعيدا عن محاكمات سياسية”.ويوضح الأحمد أن “حق المحاكمة العادلة هو المطلق في حقوق الإنسان ولا يمكن لأحد أن يتجاوزه”.ويرى الحقوقي السوري أن “البدء بالمحاكمات يشكّل تحديا كبيرا للإدارة الذاتية، ويجب أن يكون بشروط وأن توفر الأخيرة معايير الدفاع والعلنية وأمور أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار”.

وذكر باحث وأكاديمي مقيم في شمال وشرق سوريا لكنه طلب عدم ذكر اسمه لاعتبارات أمنية أن “الإدارة الذاتية لا يمكن أن تنجح بالمحاكمات بمفردها”، وأن “تأمين مكان المحكمة شبه مستحيل دون تغطية أمنية من التحالف الدولي”.و”هناك أمر آخر مهم جدا يرتبط بأنه من الصعب الاعتراف بالمحكمة إقليميا ودوليا، ولذلك لن تكون قراراتها معترفة أيضا”.ويضيف الباحث: “في النتيجة لن تستطيع الإدارة محاكمتهم دون موافقة ومساعدة وتمويل دولي. المحكمة إن لم تكن دولية لن تنجح وتحتاج قضاة غير محليين”.وبمعنى آخر، يتابع ذات المتحدث: “هذه محكمة العصر فيها قادة غيروا وجه العالم ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تحاكمهم لجنة من قضاة غير مختصين، وليس لهم خبرة في القضاء”.

رابط مختصر.. https://eocr.eu/?p=10415

تابعنا على تويتر

مقالات ذات صلة

أمن دولي ـ تقرير مؤتمر ميونيخ للأمن 2024، خسارة الأمن الدولي

أمن دولي ـ تقرير مؤتمر ميونيخ للأمن 2024، خسارة الأمن الدولي

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا ​المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ECCI   وسط التنافس الجيوسياسي المتزايد والتباطؤ الاقتصادي العالمي، أصبحت الجهات الفاعلة الرئيسية في مجتمع عبر الأطلسي، وفي الأنظمة القوية، وفي ما يسمى بالجنوب العالمي، غير...

داعش لا يزال يشكل تهديدا للأمن الدولي

داعش لا يزال يشكل تهديدا للأمن الدولي

 المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا الأمم المتحدة: تنظيم داعش لا يزال يشكل تهديدا خطيرا للسلم والأمن الدوليين news.un.org - خلال إحاطة قدمها لمجلس الأمن الدولي اليوم الخميس، استعرض وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب فلاديمير فورونكوف، التقرير الذي...

ألمانيا ـ استراتيجيات لمكافحة التطرف اليميني

ألمانيا ـ استراتيجيات لمكافحة التطرف اليميني

 المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا ألمانيا ـ استراتيجيات جديدة لمكافحة التطرف اليميني والكراهية DW - تتواصل ردود الفعل حول الاجتماع السري الذي جمع متطرفين يمينيين ومحافظين متشددين في بوتسدام في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، حيث ناقش المجتمعون خططا لعمليات طرد جماعي...

Share This