التعاون الأمني الأوروبي في مواجهة الجريمة المنظمة

سبتمبر 8, 2026 | دراسات

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

التعاون الأمني الأوروبي في مواجهة الجريمة المنظمة

يؤدي يوروبول دورًا محوريًا في مكافحة الجريمة المنظمة داخل أوروبا، عبر تعزيز التعاون وتبادل المعلومات الاستخباراتية بين أجهزة إنفاذ القانون. كما يدعم التحقيقات والعمليات المشتركة لمواجهة شبكات الجريمة العابرة للحدود، بما في ذلك الإرهاب والاتجار بالبشر والجرائم السيبرانية. ويسهم هذا الدور في تطوير استجابة أوروبية أكثر تنسيقًا لمواجهة التهديدات الإجرامية المتطورة.

تفكيك شبكة “ساليتي”

تفكيك شبكة “ساليتي” المرتبطة بأكثر من 11 مليون عنوان IP مصاب حول العالم، حيث نجحت عملية دولية بدعم من يوروبول في تعطيل شبكة “ساليتي” (Sality) التي تعمل بنظام الند للند (P2P)، وهي بنية تحتية إجرامية طويلة الأمد استُخدمت لنشر حمولات خبيثة على آلاف أجهزة الحاسوب المصابة حول العالم. ونُفذت العملية المنسقة في 31 أغسطس من العام 2026 بقيادة السلطات الأمريكية، واستهدفت شبكة بوت نت يُعتقد أنها كانت تعمل لأكثر من عقدين. وفي ذروة نشاطها، أتاحت الشبكة لمشغّلها الوصول إلى ما يصل إلى مليون جهاز مصاب حول العالم. وحتى الآن، ارتبط أكثر من 11 مليون عنوان IP فريد بهذه البنية التحتية، وكان من الممكن استخدامها لتوزيع حمولات خبيثة على الأجهزة المخترقة. وجمعت عملية التعطيل السلطات من بلغاريا والمجر ورومانيا والولايات المتحدة، بدعم من يوروبول وشريكين من القطاع الخاص، هما “كراود سترايك” (CrowdStrike) و”مؤسسة شادو سيرفر” (Shadowserver Foundation) وفي إطار عملية التعطيل، نُفذت عملية “تحويل إلى حفرة” (sinkholing) لشبكة الند للند، بهدف إعادة توجيه الاتصالات الصادرة من الأجهزة المصابة بعيدًا عن البنية التحتية الإجرامية. وأدى ذلك إلى عزل الأجهزة المخترقة عن شبكة البوت نت وتعطيل قناة التحكم الخاصة بالمشغّل.

تعطيل البنى التحتية الإجرامية

على عكس شبكات البوت نت التي تعتمد على خادم مركزي تقليدي للقيادة والتحكم، تستخدم شبكات البوت نت القائمة على نظام الند للند، مثل “ساليتي”، الأجهزة المصابة للتواصل مباشرة فيما بينها. وتجعل هذه البنية اللامركزية هذه الشبكات شديدة الصمود وصعبة التفكيك، إذ إن تعطيل أجزاء منفردة من البنية التحتية لا يؤدي بالضرورة إلى إسقاط الشبكة بأكملها. ولهذا تطلبت مواجهة “ساليتي” تعاونًا دوليًا مستمرًا على مدار عدة سنوات. ومنذ عام 2017، دعم يوروبول أجهزة إنفاذ القانون في مختلف أنحاء العالم للعمل معًا على تحديد البنية التحتية المرتبطة بشبكة البوت نت وتفكيكها، مع اكتشاف أجزاء مختلفة من الشبكة في ولايات قضائية متعددة. وفي الفترة التي سبقت عملية التعطيل الأخيرة، تكثف هذا التعاون، إذ عقد الشركاء اجتماعات عمليات أسبوعية عبر الاتصال عن بُعد لتنسيق تحركاتهم. كما دعم يوروبول مشاركة أجهزة إنفاذ القانون في بلغاريا والمجر ورومانيا، وساعد في تنسيق الإجراءات ضد البنية التحتية لشبكة البوت نت عبر الولايات القضائية المختلفة.

التعاون بين القطاعين العام والخاص  

أصبح تعطيل الشبكة ممكنًا بفضل التعاون الوثيق بين أجهزة إنفاذ القانون وشركاء القطاع الخاص، من خلال الجمع بين المعلومات الاستخباراتية السيبرانية والقدرات التحقيقية والخبرات التقنية. ومن خلال برنامج يوروبول لتمديد الاستخبارات السيبرانية (CIEP)، عملت “كراود سترايك” و”مؤسسة شادو سيرفر” إلى جانب أجهزة إنفاذ القانون، وقدمتا خبرات تقنية وتحليلات للبنية التحتية دعمًا لعملية التعطيل. ودعم المركز الأوروبي لمكافحة الجرائم السيبرانية التابع ليوروبول (EC3) تبادل المعلومات الاستخباراتية السيبرانية وتحليلها، كما نظم، بالتعاون مع فرقة العمل المشتركة للعمل ضد الجرائم السيبرانية (J-CAT)، اجتماعات عملياتية بين جميع الشركاء المشاركين.

وساعدت هذه الجهود في تكوين صورة عملياتية مشتركة عن شبكة البوت نت وبنيتها التحتية، وتسهيل تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الدول المشاركة، وفي نهاية المطاف وضع استراتيجية منسقة لتعطيل الشبكة. وشاركت السلطات التالية في عملية التعطيل، بلغاريا: المديرية العامة لمكافحة الجريمة المنظمة.  المجر: إدارة الجرائم السيبرانية التابعة للمكتب الوطني للتحقيقات.  رومانيا: الشرطة الوطنية – مديرية مكافحة الجريمة المنظمة.  الولايات المتحدة: وزارة العدل الأمريكية، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ودائرة التحقيقات الجنائية التابعة لوزارة الدفاع.  يوروبول ويوروجست.

من هي شبكة “فوكستروت”؟

تشكل “شبكة فوكستروت”، جمتعة جريمة منظمة لها صلات بالنظام الإيراني، وأصبحت معروفة باستخدامها تكتيكات “العنف كخدمة، ومنذ العام 2022، يُعتقد أن شبكة فوكستروت مسؤولة عن نحو 35 جريمة قتل، فضلًا عن عدد من الهجمات ومحاولات الهجوم على أهداف في أوروبا، بينها عمليتان باستخدام المتفجرات والقنابل اليدوية.

وتقوم الشبكة بتجنيد المراهقين لتنفيذ الهجمات مقابل المال، لكنها نادرًا ما تضطر إلى دفع الأموال، لأن هؤلاء المراهقين غالبًا ما يتم القبض عليهم. من بينهم يوهانس ناتلاند، وهو مراهق نرويجي أدانته هيئة محلفين في المحكمة الجنائية المركزية في لندن خلال يوليو من العام 2026 بالتآمر لارتكاب جريمة قتل مخطط لها في غرب يوركشاير.

فر زعيم شبكة فوكستروت، راوا ماجيد، من السويد ومن قاعدة عملياته اللاحقة في تركيا، ويقيم حاليًا في العاصمة الإيرانية طهران. وتعتقد الشرطة أن بعض هجمات “العنف كخدمة” نُفذت لصالح النظام الإيراني، ومن بينها هجوم بقنبلة يدوية على السفارة الإسرائيلية في كوبنهاغن، بينما ترتبط هجمات أخرى بحروب السيطرة على تجارة المخدرات بين فصائل شبكة فوكستروت.

ما هو دور اليوروبول في كشف الشبكة؟

وفقًا لفريق العمل العملياتي “GRIMM” التابع لوكالة الشرطة الأوروبية “يوروبول”، والذي أُنشئ لمواجهة هذه المشكلة، يجري تجنيد القتلة المراهقين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما تُرسل إليهم التعليمات بطريقة “شبيهة بالألعاب”، تحاكي أسلوب ألعاب الكمبيوتر. ويصف آندي كراغ، رئيس المركز الأوروبي لمكافحة الجريمة المنظمة والخطيرة في يوروبول، هذه الظاهرة بأنها “إسناد محسوب للقتل” إلى شباب معرضين للخطر. ويضم فريق العمل العملياتي “GRIMM” حاليًا 11 دولة متأثرة بظاهرة “العنف كخدمة”، وهي بلجيكا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وأيسلندا وهولندا والنرويج وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة.

كان ديامانت صاليو، وهو صحفي استقصائي يعمل لدى هيئة الإذاعة السويدية SVT، يحقق في شبكة فوكستروت وصلاتها بإيران منذ ثلاث سنوات. وقال: “النظام يصدر أوامر إلى زعيم شبكة فوكستروت لتحفيز شبكته على تنفيذ هجمات ضد أعداء النظام الإيراني”. وأضاف: “قد يكون هؤلاء معارضين، أو صحفيين ينتمون إلى المعارضة ضد النظام، وقد يكونون أيضًا أهدافًا إسرائيلية”.

أوضح صاليو أن الصلات بالنظام الإيراني بدأت بعد أكتوبر 2023، عندما فر ماجيد إلى طهران. وقال: “كان عليه أن يعقد صفقة حتى يتمكن من العيش بحرية في إيران، بشرط أن يعمل هو وشبكته لصالح النظام”. وفرضت الحكومة البريطانية عقوبات على شبكة فوكستروت وماجيد في أبريل 2025. وكان ذلك بعد شهر من اعتقال ناتلاند، الذي كان يبلغ من العمر 18 عامًا حينها. وكان قد سافر إلى بريطانيا لتنفيذ عملية قتل لصالح فوكستروت في مكان ما بالقرب من هدرسفيلد.

بدأت بالفعل جماعات أخرى، من بينها شبكة دالين المنافسة لفوكستروت، في تبني أسلوب “العنف كخدمة” القائم على تجنيد المراهقين المعرضين للخطر لتنفيذ جرائم القتل، ولذلك لا يزال الخطر قائمًا بقوة. وقد انتشرت هذه الظاهرة سريعًا من السويد إلى أنحاء الدول الاسكندنافية وشمال أوروبا، ووصلت إلى المملكة المتحدة العام 2025.

تتصدى المنصة الأوروبية متعددة التخصصات لمواجهة التهديدات الإجرامية (EMPACT) لأهم التهديدات التي تشكلها الجريمة المنظمة والخطيرة العابرة للحدود والتي تؤثر في الاتحاد الأوروبي. وتعزز منصة “إمباكت” التعاون الاستخباراتي والاستراتيجي والعملياتي بين السلطات الوطنية ومؤسسات وهيئات الاتحاد الأوروبي والشركاء الدوليين. وتعمل المنصة ضمن دورات تمتد لأربع سنوات، مع التركيز على أولويات الجريمة المشتركة في الاتحاد الأوروبي.

https://eocr.eu/?p=13973

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

تابعنا على تويتر

مقالات ذات صلة

مكافحة الإرهاب ـ كيف يواجه اليوروبول التهديدات الإرهابية؟

مكافحة الإرهاب ـ كيف يواجه اليوروبول التهديدات الإرهابية؟

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا. مكافحة الإرهاب ـ كيف يواجه اليوروبول التهديدات الإرهابية؟ يمثل المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب (ECTC) أحد المحاور الرئيسية في جهود يوروبول لتطوير التعاون الأوروبي والدولي في مواجهة الإرهاب والتطرف العنيف. ومنذ تأسيسه عام 2016،...

مكافحة الإرهاب ـ هل تتحول ألمانيا إلى مركز جديد لأنشطة إيران؟

مكافحة الإرهاب ـ هل تتحول ألمانيا إلى مركز جديد لأنشطة إيران؟

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا. مكافحة الإرهاب ـ هل تتحول ألمانيا إلى مركز جديد لأنشطة إيران؟ تثير الأنشطة المرتبطة بإيران في ألمانيا مخاوف أمنية متزايدة، في ظل اتهامات لطهران بتوظيف شبكات تنظيمية لتوسيع نفوذها داخل المجتمع الألماني. ورغم حظر مؤسسات مرتبطة...

تصاعد التطرف اليميني في هولندا

تصاعد التطرف اليميني في هولندا

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا. تصاعد التطرف اليميني في هولندا تواجه هولندا تهديدات أمنية متباينة تشمل محاولات تطبيع أيديولوجيا التطرف اليميني وتصاعد الهجمات السيبرانية الصينية. وتحذر أجهزة الاستخبارات والأمن الهولندية من استغلال المجالات الاجتماعية والرقمية...