المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا
اتهمت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أوروبا بأنها “حاضنة” للإرهاب الذي تغذيه الهجرة الجماعية، وذلك في استراتيجية جديدة لمكافحة الإرهاب تم الكشف عنها في السادس من أبريل 2026. وتأتي هذه التصريحات في سياق سياسي متوتر تشهده العلاقات عبر الأطلسي، حيث تتزايد الخلافات بين واشنطن وعواصم أوروبية رئيسية حول قضايا الأمن والهجرة والسياسة الخارجية، إضافة إلى تباين واضح في تعريف مصادر التهديد الإرهابي وأولوياته.
ماهو مضمون الاستراتيجية؟
تؤكد الاستراتيجية الأمريكية الجديدة على إعادة صياغة مفهوم الإرهاب بحيث لا يقتصر على الجماعات التقليدية العابرة للحدود، بل يشمل أيضًا ما تسميه الإدارة الأمريكية “التطرف الداخلي العنيف”، مع تركيز خاص على “المتطرفين اليساريين العنيفين”، بمن فيهم الفوضويون والمناهضون للفاشية وبعض الحركات الاحتجاجية ذات الطابع السياسي. وترى الإدارة أن هذه الجماعات تمثل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الداخلي الأمريكي، وأنها تستفيد من شبكات دعم دولية تمتد إلى خارج الولايات المتحدة.
تحول في السياسية الأمريكية تجاه أوروبا
لكن الجزء الأكثر خطورة في الاستراتيجية لا يتعلق بالداخل الأمريكي، بل بأوروبا، التي وصفتها الوثيقة بأنها موطن لعدد من السياسات التي “تسمح بنمو بيئات حاضنة للتطرف”، بحسب النص. وتذهب الاستراتيجية إلى حد الربط بين سياسات الهجرة الأوروبية والانفتاح الثقافي من جهة، وبين تصاعد احتمالات الإرهاب من جهة أخرى، في تحليل أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية في أوروبا. جاء في نص الاستراتيجية: “من الواضح للجميع أن الجماعات المعادية المنظمة جيدًا تستغل الحدود المفتوحة وما يرتبط بها من أفكار عولمية. وكلما نمت هذه الثقافات الغريبة، واستمرت السياسات الأوروبية الحالية لفترة أطول، زاد احتمال حدوث الإرهاب”. ويعكس هذا الخطاب تحولًا واضحًا في اللغة السياسية الأمريكية الرسمية، حيث يتم الانتقال من التركيز على التهديدات الأمنية التقليدية إلى تبني خطاب سياسي يربط بين الهجرة، والعولمة، والاستقرار الأمني.
أضافت الوثيقة، التي يقودها منسق مكافحة الإرهاب سيباستيان غوركا، أن “باعتبارها مهد الثقافة والقيم الغربية، يجب على أوروبا أن تتحرك وتوقف انحدارها المتعمد”، في إشارة إلى ما تعتبره الإدارة الأمريكية تراجعًا في قدرة أوروبا على ضبط حدودها الداخلية والخارجية، إضافة إلى ضعف سياسات الاندماج ومكافحة التطرف. ويُعد سيباستيان غوركا شخصية مثيرة للجدل في هذا السياق، إذ تشير تقارير متعددة إلى ارتباطه بخطاب سياسي يميل إلى اليمين المتشدد، وهو ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد على طبيعة الاستراتيجية الجديدة، ويثير تساؤلات حول مدى تأثير الاعتبارات الأيديولوجية في صياغة السياسات الأمنية الأمريكية.
يأتي هذا النقد الجديد لأوروبا بعد أشهر فقط من إعلان ترامب عن استراتيجيته الجديدة للأمن القومي، التي وصفت القارة الأوروبية بأنها تواجه “محوًا حضاريًا” نتيجة للهجرة الواسعة والتغيرات الديموغرافية السريعة. وقد أثار هذا الوصف حينها ردود فعل غاضبة في العديد من العواصم الأوروبية، التي اعتبرته تدخلاً في الشؤون الداخلية وتقييمًا مبالغًا فيه للتحديات الاجتماعية التي تواجهها القارة. كما انتقد ترامب في مناسبات سابقة حلفاء الناتو الأوروبيين، متهمًا إياهم بعدم تقديم دعم كافٍ في الملفات العسكرية، بما في ذلك الحرب التي خاضتها إدارته ضد إيران، وهو ما زاد من حدة التوتر داخل التحالف الغربي التقليدي. ووفقًا لمراقبين، فإن هذه التصريحات تعكس تحولًا أوسع في السياسة الخارجية الأمريكية نحو نهج أكثر أحادية وصرامة في التعامل مع الحلفاء.
تركز الاستراتيجية الأمريكية الجديدة على ما تصفه بـ”المتطرفين اليساريين العنيفين”، وتشمل هذه الفئة، بحسب النص، “الفوضويين، والمناهضين للفاشية، وبعض الحركات السياسية العلمانية التي تتبنى مواقف معادية للسياسات الأمريكية”. وتؤكد الوثيقة أن جهود مكافحة الإرهاب ستعطي الأولوية لـ”التحديد السريع وتحييد الجماعات السياسية العلمانية العنيفة التي تكون أيديولوجيتها معادية لأمريكا”. هذا التوسع في تعريف التهديدات الأمنية الداخلية والخارجية يثير تساؤلات قانونية وسياسية حول حدود مكافحة الإرهاب، والفصل بين النشاط السياسي المشروع والعنف السياسي. كما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول الحريات المدنية داخل الولايات المتحدة، خاصة في ظل اتساع نطاق الاستهداف ليشمل مجموعات سياسية غير مسلحة.
تآكل الثقة بين الحلفاء
قوبلت هذه التصريحات بقلق واضح، حيث ترى بعض الحكومات أن الخطاب الأمريكي الجديد قد يؤدي إلى تآكل الثقة بين الجانبين، ويزيد من صعوبة التنسيق في ملفات الأمن المشترك. كما يخشى مراقبون من أن يؤدي هذا التوتر إلى إضعاف حلف الناتو في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية العالمية. ومن جهة أخرى، يرى مؤيدو الاستراتيجية الأمريكية أن هذه المقاربة تمثل “تصحيحًا ضروريًا” للسياسات الغربية، التي يعتبرون أنها تجاهلت لفترة طويلة العلاقة بين الهجرة غير المنظمة والتطرف الداخلي. ويؤكد هؤلاء أن معالجة جذور الإرهاب تتطلب إعادة النظر في السياسات الثقافية والاجتماعية، وليس فقط الاعتماد على الأدوات العسكرية والاستخباراتية.
تبدو العلاقات الأمريكية الأوروبية أمام مرحلة اختبار جديدة، تتجاوز الخلافات التقليدية حول الإنفاق الدفاعي أو التجارة، لتصل إلى مستوى أعمق يتعلق بتعريف الهوية الغربية نفسها، وحدودها، وطبيعة التهديدات التي تواجهها. وفي ظل هذا السياق المتوتر، يبقى السؤال مفتوحًا حول مستقبل التعاون عبر الأطلسي: هل ستنجح واشنطن وبروكسل في إعادة بناء أرضية مشتركة للأمن والسياسة، أم أن هذه الخلافات ستقود إلى إعادة تشكيل جذري للتحالف الغربي؟. تشير التطورات الأخيرة إلى أن العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا تدخل مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية بالسياسة الداخلية والخطاب الأيديولوجي، ما يجعل من الصعب التنبؤ بمسارها في السنوات القادمة.
المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا



