أبوظبي ـ نافذة للحل في الحرب الأوكرانية، من منظور أوروبي

فبراير 12, 2026 | دراسات

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

أبوظبي ـ نافذة للحل في الحرب الأوكرانية، من منظور أوروبي

تتابع العواصم الأوروبية باهتمام بالغ أي حراك تفاوضي يتعلق بالحرب في أوكرانيا، ليس فقط لأن الصراع يدور على تخومها الجغرافية، بل لأنه بات يمسّ صميم أمنها الاستراتيجي واستقرارها الاقتصادي ووحدتها السياسية.  وفي هذا السياق، برزت أبوظبي خلال المرحلة الحالية كإحدى المنصات القليلة القادرة على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين موسكو وكييف، الأمر الذي جعلها موضع مراقبة دقيقة من قبل دوائر صنع القرار في بروكسل وبرلين وباريس وروما. أوروبا التي انخرطت بعمق في دعم أوكرانيا عسكرياً ومالياً تجد نفسها اليوم أمام معادلة معقدة: الاستمرار في إسناد كييف ومنع فرض تسوية قسرية عليها، وفي الوقت نفسه البحث عن مداخل سياسية واقعية يمكن أن تفضي إلى خفض التصعيد أو تجميد الصراع تمهيداً لتسوية أوسع. ومن هنا تأتي أهمية أي دور وساطة قادر على العمل خارج الاستقطاب الحاد بين روسيا وحلف شمال الأطلسي.

أبوظبي تملك مجموعة عناصر تجعلها مؤهلة للعب هذا الدور من منظور أوروبي. فهي تحتفظ بعلاقات سياسية واقتصادية مفتوحة مع موسكو، ولم تنقطع قنواتها مع القيادة الروسية رغم العقوبات الغربية، وفي الوقت ذاته عززت علاقاتها مع أوكرانيا ومع الدول الأوروبية، وحافظت على شراكات استراتيجية راسخة مع الولايات المتحدة. مفاوضات أبو ظبي حول أوكرانيا ـ السيناريوهات السياسية والعسكرية لإنهاء الحرب

يشير Wilfried Martens Centre for European Studies، مركز الدراسات المرتبط بالحزب الشعبي الأوروبي، إلى أن التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط تعكس حاجة أوروبا إلى اعتماد أُطر تحليلية وسياسية جديدة للتعامل مع صراعات كبرى مثل الحرب في أوكرانيا، وأن تعزيز العلاقات الاستراتيجية مع لاعبين إقليميين مثل الإمارات يمكن أن يشكل إضافة لدبلوماسية السلام، بشرط أن تتكامل هذه المبادرات مع فكرة وحدة الرؤية الأوروبية تجاه نهاية النزاع ومرحلة ما بعد الحرب.

هذا التموضع المتوازن يمنحها قدرة على التواصل مع جميع الأطراف دون أن تُصنَّف كجزء من محور ضد آخر. بالنسبة لأوروبا، التي باتت تُعتبر طرفاً مباشراً في الصراع بحكم الدعم العسكري والمالي الواسع لكييف، تبدو الحاجة ملحة أحياناً إلى قنوات غير أوروبية قادرة على اختبار النوايا الروسية أو تمرير رسائل حساسة بعيداً عن الضغوط الإعلامية والاصطفافات السياسية. تكتسب العلاقة الشخصية والسياسية بين الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، والرئيس الروسي بوتين أهمية خاصة في الحسابات الأوروبية. فهذه العلاقة، التي ترسخت عبر سنوات من التواصل المباشر والزيارات المتبادلة والتنسيق في ملفات إقليمية ودولية، تمنح أبوظبي مستوى من الثقة المتبادلة مع الكرملين لا يتوافر لكثير من العواصم الأخرى.

زيارة الشيخ محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات العربية  الأخيرة إلى موسكو ، بما حملته من رسائل سياسية واقتصادية ،  فُهمت في بعض الدوائر الأوروبية باعتبارها مؤشراً على استمرار قنوات الحوار على أعلى مستوى، وعلى قدرة أبوظبي على نقل رسائل مباشرة وواضحة إلى القيادة الروسية دون وسطاء.

مفاوضات أو ظبي  من منظور أوروبي

من منظور أوروبي، لا يتعلق الأمر بمجرد علاقة ثنائية، بل بإمكانية توظيف هذه العلاقة لدفع مسار تفاوضي أكثر إيجابية. فالثقة الشخصية بين القادة كثيراً ما تلعب دوراً حاسماً في كسر الجمود في النزاعات المعقدة. وإذا كانت موسكو أكثر استعداداً للاستماع إلى مقترحات تأتي عبر قناة تحظى باحترامها، فإن ذلك قد يفتح المجال أمام مبادرات تدريجية، سواء في ملف تبادل الأسرى أو في ترتيبات إنسانية أوسع أو حتى في بحث صيغ لوقف إطلاق نار مرحلي. أوروبا تدرك أن غياب الثقة هو أحد أكبر معوقات التفاوض، ولذلك ترى في قدرة أبوظبي على التواصل المباشر مع بوتين عاملاً يمكن أن يسهم في تقليص فجوة الشكوك، ولو جزئياً.

الوساطة الإماراتية لم تبدأ من فراغ، بل تأسست على نجاحات ملموسة في ملفات إنسانية، خصوصاً في عمليات تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا. هذه النجاحات، وإن كانت جزئية، أثبتت أن أبوظبي قادرة على بناء حد أدنى من الثقة العملية بين طرفين يخوضان حرباً مفتوحة. وعندما تقترن هذه القدرة بعلاقة قيادية مباشرة مع الكرملين، فإنها تمنح الوساطة ثقلاً إضافياً. فالقنوات المفتوحة على مستوى القمة تسمح بتجاوز التعقيدات البيروقراطية وتسرع أحياناً اتخاذ القرارات الحساسة، وهو ما تعتبره بعض العواصم الأوروبية عاملاً مساعداً على إنجاح أي مسار تفاوضي يُعقد في أبوظبي. مفاوضات أبو ظبي حول أوكرانيا ـ الاستراتيجية الدبلوماسية والوساطة 

في تعليق استشرافي حول جولة المفاوضات في أبوظبي، يرى محللون في Transatlantic Dialogue Center، المعهد الأوكراني المتخصص في التحليل السياسي والعلاقات الدولية، أن مسار أبوظبي يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدبلوماسية متعددة الأطراف على كسر حالة الجمود الراهنة في الحرب الروسية–الأوكرانية.  وفق تقييم المركز، فإن استمرار فتح قنوات الحوار بين ممثلي روسيا وأوكرانيا، رغم استمرار القتال، يوفر مساحات للتفاوض الجزئي حول قضايا إنسانية وأمنية مثل تبادل الأسرى أو ترتيبات وقف إطلاق نار محدود، وهو ما قد يمهّد لاحقاً لمفاوضات أوسع وأكثر استدامة. ومع ذلك، يشدد الخبراء في المركز على أن السلام الدائم لن يتحقق بدون ضمانات أمنية حقيقية، ومشاركة واسعة من المجتمع الدولي تتجاوز الوساطة الثنائية، وتضمن احترام سيادة أوكرانيا ومصالحها الاستراتيجية، وهو ما يستدعي انسجاماً أكبر بين المبادرات الأمريكية والأوروبية في السياق التفاوضي.

تأثير حرب أوكرانيا على اقتصاديات دول أوروبا

في الوقت ذاته، تدرك أوروبا أن استمرار الحرب يفرض عليها أعباء متزايدة. فالأزمة أثّرت على أسواق الطاقة، ورفعت مستويات الإنفاق الدفاعي إلى حدود غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول بنية الأمن الأوروبي ومستقبل العلاقة مع روسيا. أن استمرار النزاع دون أفق سياسي واضح يعزز المخاوف من سيناريوهات تصعيد أوسع أو من تحول الصراع إلى حالة تجميد طويلة الأمد تستنزف القارة لسنوات. فإن أي مسار تفاوضي يُمكن أن يخفف من حدة المواجهة أو يفتح نافذة لحوار سياسي يحظى بترحيب حذر في العديد من الدوائر الأوروبية، خاصة إذا كان مدعوماً بقنوات اتصال موثوقة على أعلى مستوى.

لماذا مسار أبوظبي

هناك بعد آخر يفسر اهتمام أوروبا بمسار أبوظبي، وهو القلق من أن تُحسم الترتيبات الكبرى بين القوى العظمى بمعزل عن الدور الأوروبي. لذلك فإن دعم مسارات وساطة متعددة، بما في ذلك المسار الإماراتي، يُنظر إليه كوسيلة لتوسيع هامش التأثير الأوروبي ومنع احتكار مسار التسوية. أبوظبي، بعلاقاتها المتوازنة وبقيادتها القادرة على التواصل المباشر مع موسكو، توفر ساحة دبلوماسية يمكن أن تلتقي فيها المصالح المتعارضة دون أن تشعر الأطراف بأنها تخوض مفاوضات تحت ضغط خصومها المباشرين. إن أهمية أبوظبي لا تكمن فقط في كونها منصة جغرافية محايدة، بل في ثقلها السياسي وشبكة علاقاتها القيادية، وفي مقدمتها العلاقة بين الشيخ محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات والرئيس بوتين. هذه العلاقة تمنح الوساطة بعداً شخصياً واستراتيجياً في آن واحد، وتُعطي إشارات إلى أن أي مفاوضات تُعقد في أبوظبي قد تحظى بجدية أكبر من جانب موسكو. أوروبا، التي تبحث عن مخرج يحفظ أمنها ومكانتها، ترى في هذا العامل فرصة لتعزيز احتمالات الإيجابية في مسار تفاوضي معقد، حتى وإن بقي الطريق نحو تسوية شاملة طويلاً ومليئاً بالتحديات. مفاوضات أبوظبي حول أوكرانيا ـ الدور الأوروبي بين التهميش والضغط السياسي

ويؤكد خبراء من Chatham House، المركز البريطاني البارز في الدراسات الدولية، أن جولة مفاوضات أبوظبي تشكل فرصة نادرة لإعادة إطلاق مسار دبلوماسي مباشر بين روسيا وأوكرانيا بعد سنوات من الجمود، لكنها ليست بديلاً عن مشاركة أوسع من الفاعلين الأوروبيين. من وجهة نظرهم، فإن استمرار مشاركة الولايات المتحدة ودور المنصات الإقليمية مثل أبوظبي يمكن أن يُفضي إلى اتفاقات مرحلية في ملفات إنسانية وأمنية مثل تبادل الأسرى واستئناف خطوط الاتصال العسكري لكن السلام الدائم لن يتحقق دون إشراك أوروبا بشكل فعال في رسم الضمانات الأمنية والسياسية الضرورية التي تعالج جذور النزاع، بما في ذلك السيادة الأوكرانية والالتزامات الأمنية طويلة الأمد. وهذا ينبع من رؤيتهم أن أي تسوية لا تأخذ في الاعتبار مصالح أوروبا وأمنها الجماعي قد تكون هشّة وغير قادرة على وقف التصعيد بشكل دائم.

هل من نتائج مرتقبة في أبو ظبي؟

ـ تبدو الصورة أقرب إلى مسار تراكمي منه إلى اختراق دراماتيكي شامل. فالمؤشرات الواقعية لا توحي بقرب تسوية نهائية للصراع، نظراً لتعقيد ملف الأراضي، وتشابك الضمانات الأمنية، واستمرار الرهانات العسكرية لدى الطرفين. غير أن القيمة الحقيقية لمسار أبوظبي قد تكمن في قدرته على إنتاج تفاهمات جزئية تمهّد لبيئة تفاوضية أوسع.

ـ من المرجح أن تبدأ النتائج بملفات إنسانية وأمنية محددة، مثل توسيع عمليات تبادل الأسرى، تثبيت ترتيبات لحماية المنشآت الحيوية، أو الدفع نحو وقف إطلاق نار موضعي أو مرحلي في بعض الجبهات. وإذا ما نجحت هذه الخطوات في خلق قدر من الثقة المتبادلة، فإنها قد تتحول إلى منصة اختبار لنوايا الطرفين بشأن تجميد الصراع أو الانتقال إلى مفاوضات سياسية أكثر شمولاً.

ـ إن أي خفض ملموس للتصعيد عبر مسار أبوظبي سوف يعتبر مكسباً استراتيجياً، حتى لو لم ينهِ الحرب بالكامل. فوقف إطلاق نار مرحلي أو تجميد للعمليات الهجومية الواسعة من شأنه أن يخفف الضغوط العسكرية والاقتصادية على القارة، ويمنحها مساحة لإعادة ترتيب أولوياتها الدفاعية والاقتصادية. أن نجاح أبوظبي في تقريب وجهات النظر قد يفتح الباب أمام دور أوسع لقوى إقليمية في رعاية ترتيبات أمنية لاحقة، بما يعكس تحوّلاً في هندسة الوساطات الدولية في النزاعات الكبرى.

ـ غير أن السيناريو المقابل يبقى قائماً، إذ قد تصطدم المفاوضات بسقف التوقعات المرتفع أو بتطورات ميدانية تعيد خلط الأوراق. فالحرب ما تزال بالنسبة لموسكو وكييف جزءاً من معادلة استراتيجية كبرى تتجاوز حدود أوكرانيا نفسها. لذلك فإن النجاح في أبوظبي سيقاس بقدرته على تثبيت مسار تفاوضي مستدام، لا بمجرد إعلان سياسي عابر. وفي حال تمكنت الإمارات، مستفيدة من ثقل قيادتها وعلاقاتها المباشرة مع الكرملين والغرب في آن واحد، من الحفاظ على هذا المسار مفتوحاً، فإن أبوظبي قد تتحول من محطة وساطة ظرفية إلى منصة دبلوماسية دائمة في إدارة أحد أخطر النزاعات في النظام الدولي الراهن.

ـ إن أوروبا لا تتطلع إلى “معجزة سياسية”  بقدر ما تبحث عن كسر لحالة الجمود. وإذا نجحت مفاوضات أبوظبي في تحقيق اختراق ولو محدود، فإنها قد تشكل بداية انتقال الصراع من مرحلة الاستنزاف المفتوح إلى مرحلة إدارة النزاع تمهيداً لتسوية أوسع، وهو تحول سيكون له أثر عميق في رسم ملامح الأمن الأوروبي ومستقبل العلاقة مع روسيا لسنوات قادمة.

رابط مختصر .. https://eocr.eu/?p=12953

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا

تابعنا على تويتر

مقالات ذات صلة

كيف يمكن لأوروبا مواجهة التغلغل الإيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين؟

كيف يمكن لأوروبا مواجهة التغلغل الإيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين؟

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا كيف يمكن لأوروبا مواجهة التغلغل الإيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين؟ عقد في السادس من مارس 2026 في البرلمان الأوروبي فعالية نظمتها منظمة IMPAC بلجيكا، ومجموعة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين في البرلمان الأوروبي، وحزب الشعب...

مكافحة الإرهاب في أوروبا ـ النشاط الإيراني المتنامي في الاقتصاد والأمن

مكافحة الإرهاب في أوروبا ـ النشاط الإيراني المتنامي في الاقتصاد والأمن

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا مكافحة الإرهاب في أوروبا ـ النشاط الإيراني المتنامي في الاقتصاد والأمن أسس رجل أعمال إيراني أسس إمبراطورية عقارية في أوروبا، تشمل فنادق فاخرة في ألمانيا. وتشير التحقيقات إلى أن هذه الشركة تقود إلى نجل المرشد الإيراني الراحل علي...

لماذا تضع الاستخبارات الألمانية “جيل ألمانيا” تحت المراقبة؟

لماذا تضع الاستخبارات الألمانية “جيل ألمانيا” تحت المراقبة؟

المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف ـ هولندا لماذا تضع الاستخبارات الألمانية "جيل ألمانيا" تحت المراقبة؟ بسبب مزاعم التطرف، أسس حزب البديل من أجل ألمانيا منظمة شبابية جديدة. إلا أن هذا لا يحسن من وضعه، على الأقل ليس في شمال الراين وستفاليا. حيث صنفت وكالة الاستخبارات...